"ليلة الإمبراطور": سيرة مواطن غير "سعيد"

في رواية "ليلة الإمبراطور" للكاتب السوري غازي حسين العلي (1958)، تمتزج عوالم "ألف ليلة وليلة" بأسلوب زكريا تامر في قصصه، مع نفحة كافكاوية. العمل الصادر أخيراً عن "ضفاف" و"دار الأمان" و"الاختلاف"، يحكي سيرة رجل يدعى سعيد، يهجس بالخوف واللاجدوى، قبل أن تشهد حياته تغيّرات على وقع ما ستعرفه سوريا إثر نزول الناس إلى الشارع هاتفين: "يسقط.. يسقط".يعمل سعيد موظفاً في دائرة مكافحة الكلاب الشاردة في بلدية عيشة الدمشقية. هو، في الأساس، مراسل للمعاملات الرسمية، لكن رئيس البلدية، الأستاذ حميد، حوّله إلى مختصّ بقتل الكلاب الضالة. وبينما كان ذات يوم في زيارة عمل إلى أمانة المحافظة، التقى سعيد بسعاد، شبيهة حبيبة قلبه، سعاد حسني. وطبعاً يقع الموظف المسكين في حبّ زميلته، ويطلب يدها من أهلها، لكنهم يرفضون طلبه ويطردونه من بيتهم. هو مواطن مسحوق، ليس فقط بسبب تاريخ عائلته، وضغْط رئيس البلدية عليه في عمله، بل كذلك بسبب الخوف الدائم من الضابط المتنفّذ، ابن عم سعاد، الذي يحول بينه وبينها.

يتوزّع الخط السردي في هذه الرواية، الخامسة للعلي، بين الحلم والحقيقة. فالبطل، المقموع في حبّه وعمله، لا يجد مهرباً من قسوة واقعه إلا في تهويمات نومه، التي تتحول في أحيان كثيرة إلى كوابيس.يقسّم العلي روايته إلى ستة عشر فصلاً، لكل منها حكاية وحلم. ويبدأ في كل مرة مع عبارة "رأيت في ما يرى النائم"، ليسرد حلماً جديداً. هكذا، يرى نفسه مرة في جسد سعاد، التي يحبها، وهي تباع في السوق، ومرة مغتصباً سعاد القاصر. يحلم كذلك بأنه يقتل جرواً بعد أن أجرى حديثاً مقتضباً معه، أو معتقلاً في "فرع 999" الأمني، أو سجيناً بتهمة الإرهاب.

تأتي هذه الأحلام في كثير من الأحيان في الليلة التي تلي قراءته لكتاب ما. هكذا، نجده يحلم أنه في دمشق، عام 1898، ضمن الحشد الذي يستقبل "صاحبي الجلالة، الإمبراطور الألماني ويلهلم غليوم وزوجته الإمبرطورة أوغستا فيكتوريا"، وذلك بعد قراءته عن "الرحلة الإمبراطورية في الممالك العثمانية". وعندما يقرأ كتاب "تاريخ التعذيب" لمؤلفه بيرنهاردت ج. هروود، يجد نفسه في المنام، مع سعاد، وهما يتعرضان للتعذيب أمام جمهور راقص يحتفل بضحيتيه.

يأخذنا صاحب روايتي "حديقة الرمل" و"سموات الوحشة" في رحلة بين حلم وواقع. وكثيراً ما يختلط العالمان، ليصعب على القارئ التفريق بينهما، خصوصاً وأن الواقع هنا ليس شبيهاً بالواقع الذي نعرفه، بل هو أشبه بعالم سوريالي. فالكاتب لا يسعى إلى إظهار طبيعة المجتمع، بقدر ما يميل إلى إبراز وطأة الأخير على الفرد ونفسيته.وتتكشف تدريجياً أمور كثيرة عن حياة سعيد وأفكاره وأحلامه؛ فهو رجل بسيط ابتُلي بحبّ سعاد التي وعدها ابن عمها الضابط أن يقدّم لها "سيارة وأن يسجل باسمها عمارة"، إنْ تزوجته. ونعرف لاحقاً عن حقيقة والديه الذين تطلقا لأن الأب ضبط ذات يوم زوجته عارية في أحضان جارهما أبي زهدي. وينتهي الأمر بالأب في سجن "عدرا" بتهمة السرقة، فيما تتزوج الأم عشيقها وتذهب معه إلى السعودية لتؤدي العمرة.

في الفصول الأخيرة من الرواية، يطغى عالم الأحلام على كل شيء، وتتداخل كوابيس سعيد مع تهويماته الجميلة، فتتدفق صور ومشاعر مترواحة بين المتعة والألم والخوف. كما يخرج الكاتب تدريجياً من العالم الفردي لبطل روايته، لنكتشف مجتمعاً مختلفاً عمّا كان عليه في بداية الرواية، يتحرك، ويخرج من عباءة الصمت والخوف. هكذا، نجد الشعب، في المنحى الجديد للقصة، وقد خرج هاتفاً "يسقط... يسقط"، كما نقع على صبيةٍ يحملون جثة سعيد ويهتفون: "بالروح بالدم نفديك يا شهيد".

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha