يركز ووترز كثيراً على الأذى، سواء الذي تصيبنا به الأقدار أو الأذى البشري

"الجدار": آلام روجر ووترز من الألبوم إلى السينما إلى الأوبرا

"الجدار": آلام روجر ووترز من الألبوم إلى السينما إلى الأوبرا

يعرف «الجدار» 1979 كأشهر إصدارات فريق الروك الإنكليزي «بينك فلويد»، وهو في جوهره ليس سوى سيرة ذاتية للفنان البريطاني روجر ووترز، كتبها ولحنها بنفسه، ثم استقل بهذا العمل الفني الشخصي بعد أن غادر الفريق، وأخذ يقدمه منفرداً في عروض عالمية، حتى وقت قريب، كما أعد سيناريو فيلم «الجدار» 1982 الغنائي، الذي يعتمد على الموسيقى والصورة فقط، ويخلو من أي كلمات أو مشاهد حوارية، وقام أيضاً بكتابة ليبريتو أوبرا الجدار 2017 التي حولت أغنيات الروك إلى غناء أوبرالي خالص، هذا الألبوم أشبه بالرواية، وكأن كل أغنية هي فصل من فصول هذه الرواية، تخبرنا بطرف من الحكاية، حتى تكتمل خيوطها في النهاية، وتخاطب الذين يرون أن كل شيء على أسوأ ما يكون في هذا العالم الخاطئ، لا أتباع الفيلسوف ليبنيتز الذين يؤمنون بأن كل شيء على ما يرام في هذا الكون البديع، فالجدار مجموعة من الآلام الشخصية العميقة، يتغنى بها صاحبها روجر ووترز، لكنها آلام عامة أيضاً على ما يبدو، ربما يجد المستمع الكثير منها أو بعضها في نفسه، أراد ووترز لهذه الآلام أن تبقى حية، أو هي حية رغماً عنه وقادرة على إيلامه إلى الآن، وعلى رأسها الألم الأول الأساسي، الذي أصابه قبل أن يكون واعياً مدركاً، وظل في انتظاره حتى يكبر ويتلقى الطعنات النفسية الموجعة، وهو فقد الأب في الحرب العالمية الثانية، حين كان رضيعاً لم يكمل بعد شهره السادس، هذا الألم يجعله يدمع حتى اليوم في حواراته التلفزيونية وقد تجاوز السبعين من عمره، ويستطيع أن يحول ملامح وجهه الجادة القوية الصارمة إلى ملامح طفل ضعيف بدموعه المسكينة.

تبدأ الحكاية بالفقد إذن، فالطفل الذي يفقد أباً أو أماً في طفولته المبكرة، لن يشبه الآخرين في كل مراحل حياته، لأنه سيكتشف انعدام العدل والمنطق في هذا العالم قبل الجميع، وسيفكر طوال الوقت في الموت الذي سيؤرقه، وإن غفا سيطارده في كوابيسه، وسيرى أقرانه من الأطفال مجموعة من البلهاء بلداء الحس وسيرونه شديد الحساسية، وستكون المدرسة هي الجحيم بعينه، يصف ووترز آلام طفولته بدقة شديدة، ويوضح حقيقة أن الفقد المبكر يكون جرحاً دائماً لا يندمل أبداً، وفي أحد أهم مشاهد الفيلم نرى البطل في طفولته، وهو يحاول الإمساك بيد أب ينزه طفله في حديقة عامة، بينما ينهره الرجل ويرفض أن يعطف عليه وأن يمسك بيده، هذا المشهد الموجع لا يحزننا كثيراً، لأننا نعرف أن الطفل قد تلقى أول دروسه القاسية المفيدة، وأنه لن يبحث عن أب أو أم أخرى مرة ثانية، سيستسلم للفقد طوال حياته وسيتمسك به أيضاً، وسيرفض هو في ما بعد كل عروض الأبوة أو الأمومة المزيفة.

يركز ووترز كثيراً على الأذى، سواء الذي تصيبنا به الأقدار أو الأذى البشري، فكل أغنية تروي حكاية أذى ما، وكل أذى هو حجر في الجدار، الذي يتحول في النهاية إلى ثروتنا الحقيقية وإنجازنا الأهم في الحياة

في هذا العمل الفني تطغى الفكرة بشكل كبير على الموسيقى والكلمات والصورة والغناء وكل شيء، ولا يمكن الحديث كثيراً عن المتعة الفنية هنا، بقدر الحديث عن القيمة الفنية، فالغناء مؤلم في كل أحواله، والصورة السينمائية تضاعف من كآبة الأغنيات، وخصوصاً مشاهد الرسوم المتحركة التي صممت من أجل التعبير عن كل ما هو لا معقول ولا يمكن تجسيده بشرياً، من أهوال، وصراعات العقل الباطن وحروب النفس الداخلية، وتعتمد الموسيقى على الكثير من المؤثرات الصوتية، وقد يضيق المستمع من غير هواة هذا النوع من الموسيقى بغضب الدرامز المستمر وصيحات الغيتار الأليمة، كما أنه يثير الهموم والأوجاع والأفكار، وهو عمل عن الجحيم البشري بامتياز، وهل الجدار إلا وسيلة نحمي بها أنفسنا من الآخرين، فهو الحاجز والحصار والسجن، الذي نفرضه على أنفسنا، ونقيمه بأرواحنا قبل أيدينا، إما برغبتنا أو رغماً عنا، حيث يكون هو الحل الأفضل، ويصير الجدار حينئذ الأمان والحماية والحصن المنيع، وتكون الوحدة المطلقة ثمناً زهيداً ندفعه برضا تام وشعور بالكسب والانتصار، مقابل الخسارة الفادحة المتربصة خارج الجدار، ومن أجل البناء لابد من الأحجار بالطبع، وتهدينا الأقدار دائماً الحجر الأول.

ويصف ووترز الكثير من الأحداث والأشخاص الذين مروا في حياته بأنهم لم يكونوا سوى أحجار شيد بها جداره الخاص، كفقد الأب والحروب العبثية وعدم اكتفاء الإنسان من الدم، والمدرس الذي يؤذيه بالضرب والسخرية منه أمام الجميع، ومن أشعاره البسيطة التي يكتبها في دفتره أثناء الدرس، هرباً من الواقع المفروض عليه، وكذلك الخيبات العاطفية والخيانة الزوجية والطلاق الذي عرفه ووترز لأربع مرات متتالية، والطلاق يمدنا بالأحجار الكافية لبناء الجدار.

يركز ووترز كثيراً على الأذى، سواء الذي تصيبنا به الأقدار أو الأذى البشري، فكل أغنية تروي حكاية أذى ما، وكل أذى هو حجر في الجدار، الذي يتحول في النهاية إلى ثروتنا الحقيقية وإنجازنا الأهم في الحياة، وتطغى شخصية روجر ووترز بشكل كبير أيضاً على عمله الفني، وتكون جديرة بالتأمل والاحترام، فنجد أن الألم لم يحوله إلى وحش سادي يتلذذ بعذابات الآخرين، يرتوي بالدم وينتشي بالقتل وتمزيق الأرواح قبل الأجساد، ولم يحوله الفقر في طفولته إلى جائع أبدي، لا يشبع وإن حصل على المليارات، ولم يحول هو الفن إلى وسيلة حقيرة لاكتساب سلطة ما أو مكاسب مادية، بل إنه يعلن من خلال فنه عن مواقفه الأخلاقية والإنسانية الرافضة لكل أنواع الظلم والإجرام في العالم، فالفنان الحقيقي لا يدعم القتلة والسفاحين، لذا يواجه ووترز اتهامات بمعاداة إسرائيل والسامية، لأنه ببساطة لا يرى الاحتلال سوى احتلال، ويجب ألا ننسى أن روجر ووترز غير العربي، يرفع علم فلسطين في وجه عدونا الإسرائيلي، هذا العلم الذي بات رفعه في بعض الدول العربية أمراً يهدد الحياة.

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع