هل العصر العباسي مجرّد ذكرى أم جذر حيّ للحاضر

عن العصر الذهبي العباسي أو أي عصر ذهبي آخر

عن العصر الذهبي العباسي أو أي عصر ذهبي آخر

في تاريخنا العربي لحظات مضيئة كثيرة، بعضها حصل قبل الإسلام، خلال قيام الدول العربية في بلاد الشام والعراق، وبعضها خلال الرسالة المحمّدية العربية قلباً وقالباً، وبعضُها بعد ذلك، أي بعد امتداد الدولة الإسلامية إلى أصقاع آسيا وأفريقيا. ولكن هذه اللحظات بمجملها تنتمي للماضي البعيد نسبياً الذي ولى وأضحى اليوم موئلاً للذكرى أكثر منه جذراً حياً للحاضر المعاش.

ولعل أكثر هذه اللحظات المضيئة أهمية وأكثرها تأثيراً حضارياً وجدلاً أيديولوجياً اليوم هو العصر العباسي الذهبي الذي جعل من بغداد عاصمة العالم الأولى حقاً، يفد إليها العلماء والأدباء والفنانون من كل حدب وصوب، وهو زمن امتد من تأسيس الدولة على يد أبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور عام 750م وانتهى عند مقتل الخليفة المتوكل في سامراء عام 861، وإن استمر صداه الثقافي والحضاري لعقود طويلة بعدها لم ينهها سوى الغزو المغولي المدمر عام 1258. فما الذي يمكننا أن نذكره وأن نتذكّره عن هذا العهد العباسي الأول؟

هل هو فعلاً العصر الإسلامي الذهبي الذي ازدهرت فيه المعارف والعلوم والفنون والآداب؟ هل هو العصر الذي أنجب أهم أعلام الأمّة الإسلاميّة في كلِّ هذه الحقول، من أمثال الكندي والفارابي والجاحظ وابن المقفع وابن سينا، وأنجب أيضاً بعضاً من فطاحل سياسييها ومبشريها ومبتدعي أو مؤسسي فرقها ومذاهبها وطوائفها من أمثال الخليفة المأمون وأبي حنيفة وابن حنبل والشافعي وجعفر الصادق والقاضي عبد الجبار؟

هل هو العصر الذي ربط بين علم الأقدمين ونهضة القرون الوسطى وحافظ للعالم على التراث الكلاسيكيّ وترجمه ثم هذّبه ونقّحه وأضاف إليه، ثم تركه لغيره يطوّره ويدّعيه لنفسه؟ هل هو العصر الذي سطع فيه نجم الفكر والفلسفة الإسلاميين التنويريين قبل أن يتراجعا تحت وطأة فكر ديني محافظ أحلّ النقل مقام العقل، والتقليد مقام التجديد؟ هل هو العصر الذي شهد أفول نجم العرب الفاتحين والحاكمين في العهد الأمويّ وصعود نجم الأقليات غير العربية التي كانت مهمّشة في العهد الأمويّ التي استلمت سدة الحكم بدءاً عبر الأبناء الفرس ثم عبر المماليك الأتراك؟

 

هل هو العصر الذي رعى تطوّر اللغة العربية على يد سيبويه والكسائي والأصمعي وغيرهم لتصبح لغة عالم إسلامي يمتدّ من جنوب أوروبا إلى حدود الصين، ثم قبل بانكماشها للأراضي التي ما زالت تتكلّم العربية حتى اليوم وحلول لغات أخرى كالفارسية والتركية والآردية والسواحلية محلها؟ هل هو العصر الذي شهد تمزّق الأمّة الإسلامية إلى شيع وأحزاب وممالك ودول تتحارب أحياناً وتتصافى أحياناً أخرى وتحنُّ دوماً في ذاكرتها الجمعية لعصر ذهبيّ ولّى وتودّ -في لحظات قلقها- أن تؤوب إليه؟

هو بالفعل كلُّ ذلك وأكثر. هو تراثنا الذي نحمله في ثقافتنا وبه نفتخر، ولكنّه أيضاً صليبنا الذي تحت ثقله نئنّ. هو خلفيّتنا التي إلى قواعدها وقوانينها نحتكم، ولكنه أيضاً إرث فشلنا وتشرذمنا الذي مازلنا لا نعرف كيف نخرج من شرنقته. هو تاريخنا ولكنّه، عندما نفقد القدرة على الانتماء لزمننا، يصبح حاضرنا: إنجازاته إنجازاتنا وفشله فشلنا، انتصاراته انتصاراتنا وخسائره خسائرنا، معاركه معاركنا وعداواته عداواتنا، حتى تلك التي زالت أسبابها ومسبّباتها وممثّلوها، ولكن بقيت منها جذوات وجذوات قابلة للاتّقاد كلما عنّ لبال صيّادٍ في الماء العكر أن يحرِّكها أو يعرِّضها للهواء قليلاً كما يحصل اليوم في العراق وسورية واليمن ولبنان وغيرها.

كيف نتمثّل هذا العصر في حياتنا العامة وعلاقاتنا مع بعضنا البعض ليس فقط كمواطنين عرب اليوم ولكن أيضاً كورثة ألوان الطيف المختلفة التي أنتجها العصر العباسي، خاصّةً أنّ كلّاً منّا يصاب بعمى الألوان عندما يحوِّل بصره عن رقعته الوطنية المحدودة بانتماءاته الحالية إلى الرقعة الأخرى المجاورة لها والتي يدعيها أفراد طائفة أخرى أو مذهب آخر لأنفسهم؟ وكيف نمثّل هذا العصر في كتاباتنا وفننا ومسرحنا وسينمانا، كما يحدث بين الفينة والأخرى؟ بل كيف نستعيده تاريخياً وبصرياً ومعمارياً خاصّة في فضاءات مدننا المكتظّة؟ في بغداد الحديثة مثل العباسيون بأبي نواس، وبشهرزاد، وبالأربعين حرامي بدلاً من الخلفاء والوزراء (ربما لأن خلفاء الحاضر لا يحبّون تكريم خلفاء الماضي، على حين أنّ الشعراء أكثر إخلاصاً لسابقيهم).

فما الذي نمثّله بهم خارج بغداد؟ الشعراء والأدباء والعلماء أم أولئك الدعاة والمغامرين والمحاربين الذين أنجبتهم أرض الخلافة على الغالب كردّ فعل لشطط الأسرة الحاكمة والذين أسَّسوا لدول جديدة تتبع بغداد بالاسم فقط أو لمذاهب جديدة بعضها ذهب بعيداً في اغترابه عن الإسلام الرسمي. من الذي يقرّر من هو الأحقّ بالتمثيل؟ وكيف سيكون التمثيل؟ هل يكون مباشراً أم رمزياً؟ وهل يكون مجرّداً أم محدّداً؟

هذه كلّها أسئلة صعبة. ولا أظنُّ أنّ أيّ متصدّر للإجابة عنها سيلقى رضا الناس كافة (بما فيه من عامّة شعبوية وخاصّة نخبوية). ولا أظنّه يجب أن يسعى لنيل هذا الرضا على كل الأحوال. فالتاريخ العباسي، الإشكاليّ والجدليّ أصلاً، لا يمكن إلا أن يغدو أكثر إشكاليّة وجدليّة عند تمثيله. هذا هو ما نراه اليوم في مختلف المجالات الفنية والأدبية والثقافية والسياسية: تاريخٌ يتبعثرُ بسبب تعقيده وكثافته واستيلاء فرقاء على أجزاء منه. فما زرعه العباسيون في البداية قد حصدوه في النهاية، وما بقي من ذكراهم هو المراوحة بين الرفعة والانخفاض، بين الصعود والهبوط، وبين السؤدد والزوال.

هذه هي الحلقة التي نجد أنفسنا ضمنها، كلما أوشكنا منها فكاكاً عادت الذاكرة الجمعية المكلومة والمنكفئة على ذاتها لتأكيد دوراننا في دائرة التراث: نصعد مرة مع زهوها أو زهونا بها وننزل مرّات مع كبواتها. ولكن ما نظنّه اليوم تاريخا حيّا ومؤشرا على مستقبل ممكن ما هو إلا ماضٍ ذهب بكل ما له وما عليه وما بقيت لنا منه إلّا الذكرى، وربما بعض العبرة.

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

مواضيـــع متشـــابهة