مدارك القراءة الصوفية وتجلياتها في الشخصية الروائية “خلسات الكرى” لجمال الغيطاني أنموذجا (2)

الأمر الآخر الذي لا يمكن تجاوزه و يسمح بدوره هذا التخطي نجده مشروطا بفكرة الحب إنها قوة خارقة جاذبة يستحيل مقاومتها بأي شكل من الأشكال ، ففي منظور الشخصية الصوفية هو إخلاص كامل اتجاه المحبوب يترجم ذلك “اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب و على قدر المحبة يكون الشوق…الشوق يسكن باللقاء و الرؤية و الاشتياق لا يزول باللقاء ” و يبدو أن هذه الفلسفة النفسية قد تبدو غريبة نوعا ما؛ إذ أن بإمكان هذه الشخصية أن تصل إلى حق المعرفة في شأن هذا المحبوب بفضل هذا الحب الخالص ؛و خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمحبة الإلهية فينشرح قلبه و يزيد نوره فتنكشف له ما لا يمكن أن ينكشف في عالم الشهادة يقول أبوحامد الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال و هو حريص على دور القلب في جلب الحقيقة الإلهية بقوله تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى و مفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة ،استغراق القلب بالكلية بذكر اللهو آخرها الفناء بالكلية في الله » ، و هذا ما يعد بالنسبة للشخصية الصوفية مسلكا مستعليا في أعلى المقامات الشريفة من خلال سلم تراتبي خاص فـ”من أول طريقة تبتدئ المشاهدات و المكاشفات حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة و أرواح الأنبياء و يسمعون منهم أصواتا و يقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور و الأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظة على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه ” هكذا تتوق الشخصية الصوفية إلى الارتحال بقدر كبير من الشوق و المحبة المنقطعة النظير و هي مستعدة بأن تضحي بالنفس و النفيس لجل إرضاء المحبوب فكأن العامل النفسي في هذا السلوك هو البحث عن السعادة عن الطمأنينة و التي لن تكون إلا بالمجاهدة و المرارة و هذا ليس ببعيد عما قد نعاينه من الوجهة الأدبية ذو اللون الصوفي.

لا أعتقد بأن الأدب يحتاج إلى انتماء أو إلى عصبية أو إلى فئوية حتى يسمى أدبا ؛بالرغم من كون هذا الأمر غير مستبعد ،فالأصل في ذلك هو أن نعتبر الإبداع أدبا باعتباره حالة فردية محضة؛ كما يمكن لنا أن نترصد في سياق ذلك الأفكار و القضايا التي توحي بوجود المعاني الكلية للصوفية و حيث يكون مصدرها الأولي هو المعطى الديني الصرف قبل أن يتلون هذا الخطاب بالبعد الفلسفي الذي تروّجه الصوفية ذاتها لنفسها و لعل النظام التطوري الذي كشف عنه أحمد أمين؛ يعلل هذا التصور من قبيل أن الطور الأول (ظهور الإسلام – منتصف ق 2 هـ) و الثاني(منتصف ق 2 هـ – ق 4 هـ) انطلق من الحكم و معاني الزهد ليصل إلى عمق الفكر اللاهوتي على أن يعكس في الطور الثالث (ق 4 هـ – منتصف ق 8 هـ)الفكر الفلسفي المحض الذي ينوط به و في المنظور ذاته يشير إلى أن حقيقة الأدب الصوفي متوقفة على فكرة أساسية مفادها ” وهو سلس واضح وإن غمض أحيانًا، وفلسفته من أعمق أنواع الفلسفة الإلهية وأدقها، ومعانيه في نهاية السمو، تقرؤها فتحسب أنك تقرأ معاني رقيقة عارية لا ثوب لها من الألفاظ، خياله رائع يسبح بك في عالم كله جمال، عواطفه صادقة يعرضها عليك كأنها كتاب إلهي تقلبه أنامل الملائكة، يقدّس الشعراء فيه الحب، ولا بد أن يكون الإنسان هائمًا أيضًا مسلحًا بكثير من الأذواق والمواجيد، والحالات التي يعتقدها المتصوفون حتى يسايرهم في الفهم.” إذا هناك ذوق و همة و مناجاة تسمو إلى أبعد الحدود و قد نلمس من المحافل الإبداعية التي تنبئ بفكرة الوجود و الاتحاد و الحلول مع قدر ما يعرف بالشطحات الشعرية يقول ابن عربي :

لقد صار قلبي قابلا كل صورة * فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف * وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت * ركائبه فالحب ديني وإيماني

و نخلص في ذلك إلى أن خصوصية الكتابة الصوفية قائمة على البعد الغرضي مستخدمة “المعجم الصوفي في سياقه الملائم و متوخية المقاصد الصوفية في الربانيات و النبويات ” ما ينعكس ذلك على ثقافة الشخصية الصوفية في مستوى السلوك و الوجدان و التصور .

و للصوفيين من الرمزية و الأدب الرمزي ما ليس لغيرهم ،رمزية في المذهب و في الأسلوب و في المعاني و في الأخيلة مما لا تصل إليها روائع الاستعارة و الكناية و التمثيل و التشبيب ،و مما يحار فيها الفهم و العقل و الوهم و الخيال و مذهبهم هو الغموض ،و لهم اصطلاحات تقوم مقام اللغة و نقرأ الكثير منها في اللمع الطوسي و الرسالة القشرية و الفتوحات المكية لابن عربي و الحكم لابن عطاء الله و قوت القلوب لأبي طالب المكي و غيرها و معانيهم الغامضة لا يكاد الفهم يصل إلى عتبتها و كما يقول ابن عربي مؤلف كتاب الفتوحات المكية

تركنا البحار الزاخرات وراءنا *فمن أين يدري الناس أين توجهنا ” ،أعتقد أن اكتشاف حقائق الخطاب الصوفي في سياق منجز القراءة ،قد يستدعي فصله عن صاحبه ؛ حتى تظهر آلية اشتغال التجربة الصوفية في ثنايا هذا الخطاب ؛فتعطيه إيقاعا جديدا و شعرية خاصة ؛ فمثلما يتم توظيف التاريخ و الأسطورة في المشهد الأدبي المعاصر يمكن استغلال البعد الصوفي و حقيقته الفلسفية و الثقافية في تمثّل هذه الأدبية الخارقة .... يتبع

مساهمة خاصة بـ: حفيظ ملواني – جامعة علي لونيسي /البليدة 2

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع