عند الكتابة عن وباء فنحن بصدد إعادة اكتشاف الجسد ندخله في مختبر الآفة، نسرد تاريخ الألم لا تاريخ الشهوة

كيف يتفشى «الوباء» في الأدب؟

كيف يتفشى «الوباء» في الأدب؟

ظهرت السيدا، للمرة الأولى، نهاية سبعينيات القرن الماضي، وانشغل بها الأطباء والباحثون، وصارت قضية رأي عام، ثم أصابت العدوى الأدب، بدءًا من التسعينيات، وتفرعت الكتابة عنها بين شهادات حميمة وأخرى متخيلة، ولن نُبالغ إذا صغنا مصطلح «أدب السيدا». فنظرا للعدد الهائل من الإصدارات التي قاربت هذا الوباء، لاسيما في الغرب، وحجم الإقبال عليها، يمكن أن نقول إنه صار نوعاً مستقلاً في الخريطة الأدبية، لقد اهتم الكاتب مطولاً بالجسد في تعددات النظر إليها، بوصفه مرادفاً للذة أو للذاكرة، في مدحه وذمه، ثم صار يكتب عن الألم الذي يطوقه، فالجسد لا يكتمل وصفه من دون وصف الألم، الذي يحل به، هكذا تكاثرت روايات وقصص تتخذ من السيدا مادة لها، تجعل من وباء يهرب منه الناس، سبباً في متعة القراءة. صحيح أن عشر سنوات انقضت بين ظهور السيدا في الجسد، وظهورها في الأدب، لكن مراجعة العلاقة بين الطرفين قد تُساعدنا في فهم المسار الذي قد يشقه الوباء المستجد: كورونا، وفهم فرضيات انتقاله إلى مادة للكتابة.

تفشى «أدب السيدا»، بينما الأطباء لا يزالون في حيرة من أمرهم، ولم يجدوا ـ لحد الساعة ـ علاجاً له، سبق الوباء مخيلة الكتاب، لكنهم سارعوا في تطويعه وفي دسه في نصوصهم، من دون أن ينتظروا مخرجاً من العلماء، وطرأت في البدء كتابات حميمة، أقرب ما تكون إلى شهادات أو يوميات، كتبها في الغالب أشخاص مسّهم المرض، أو عرفوا مقربين منهم في الحالة تلك، أو سمعوا عنهم، جاءت كتابات استعجالية، أرادت أن تُحاصر السيدا بالقصص، أن تدون معاناة المصابين وأحلامهم وخواطرهم ووصاياهم، كانوا يكتبون كمن يُسابق الموت، فكل شخص ثبتت إصابته كان يشعر كما لو أنه مدان، وحكم عليه بالمؤبد أو الإعدام، ولا سبيل له في تبرئة نفسه أو التخلص من شعور بالذنب سوى الكتابة، يشرع في تدوين شهادات حميمة، في استعادة حياته صعوداً ثم نزولاً إلى المرض، ولا يغض الطرف عن توجيهات نصائح وحشو كتابه بالتعليمات والدروس البيداغوجية، كفارة عن خطيئته، ورغبة منه في تجنيب الآخرين الوقوع في الفخ الذي انساق إليه، ولعل هذا الإحساس هو نفسه ما يُراود كل شخص ثبتت إصابته بفيروس كورونا، وانعزل في حجر صحي، لذلك من اليسير أن نتخيل سيلاً من الإصدارات الأدبية ـ مستقبلاً ـ تقارب حيوات المرضى، يتذكرون فيها سيرهم وانعطافاتهم، وكيف نجوا من السيدا والأوبئة الأخرى لكن أرجلهم انزلقت إلى وباء لم يخطر على بال أحد قبل نهاية 2019. فبعدما كان يشاهد الناس فيروس كورونا يحوم في الصين، ويتبارون في طرح فرضيات الحــــروب البيولوجــــية، وأنهــــم في منأى عن الخطر، وبعدما أنكروا الوباء ـ في البداية ـ ها هو الآن يطرق كل باب، ولا يقــــر بالحــدود ولا بالفوارق الدينية أو العرقية، أصبح كورونا قضية إنسانية، ولن يكتب عنه سوى أدب إنساني يتعدى أيضاً الجغرافيات، ولا يقر بعلوية جنس على آخر.

في «أدب السيدا»، يشغل الراوي أو بطل القصة ـ في العادة ـ دور البريء، يتقمص لباس الضحية، يظهر في صور المعاناة والمأساة التي طرأت عليه، ويشحن عاطفة المتلقي كي يتعاطف معه، والمذنب في القضية هو كل شخص نقل له المرض، قد لا نعرفه وقد يجهل هو نفسه من تسبب في ما وصل إليه، لكنه لا ينقطع عن استثارة القارئ كي يرأف بحاله، أن يميل إلى جانبه، ولكن مع من يتعاطف القارئ في حال كتب نص عن فيروس كورونا؟ صحيح أن كل مُصاب به هو بريء، لا بد أن المرض قد وصله بالخطأ، ولم يسع إليه، لم يرتكب جرماً أو ممارسة غير محسوبة العواقب كما في حال السيدا، لكن من هو المذنب؟ من هو الشخص الذي سوف نحمّله أوزار انتشار وباء كورونا؟ لا إجابة لنا ولن يملك الكاتب إجابة، فنحن في وضعنا اليوم كلنا ضحايا وكلنا أبرياء، وكل شخص يحتم عليه الوضع الدخول في حجر إجباري فهو ضحية وليس مسؤولاً عما حل به، وعلى عكس الكتابة عن السيدا، سيتحتم علينا في الكتابة عن كورونا مشاهدة طرف واحد من المعادلة: الضحية، أن نتدرج معه في معاناته وفي قساوة ما وقع له، أن نقف إلى جنبه ونتعاطف معه، ولن يملك درساً أخلاقياً ولا آخر بيداغوجياً يتقاسمه مع القارئ، فالفيروس «دمقرط» حركته، بتنا مهددين بالعدوى واستحال علينا أن نعرف مصدرها.

عند الكتابة عن وباء، مهما كان اسمه أو نوعه، فنحن بصدد إعادة اكتشاف الجسد، نغير من معانيه السابقة التي حصرته في تفسيرات شعرية، وندخله في مختبر الآفة، نسرد تاريخ الألم لا تاريخ الشهوة، يصير المرض سبباً في إعادة اكتشاف أنفسنا، وإعادة اكتشاف ما يمور من حولنا، فالمرض يغير من نظرتنا للمحيط القريب منا، سنصير أكثر توجساً من الآخرين، وأقل ثقة في أنفسنا، يتحول الخوف من شعور عابر في التجربة الإنسانية إلى شرط لا مفر منه قصد الاستمرار، فبمجرد أن يعلم شخص ما أنه قد أصيب بوباء حتى يدخل عالماً جديداً، يصير جسده عالمه الرحب، وتصير الكتابة وسيلته في التخفيف من الألم، وفي مفاتحة المتلقي بشعوره وهو يدنو من الموت، يصير الأدب الذي يكتبه أدب موت، يقصد منه تعريفاً جديداً بالنهاية الحتمية لكل إنسان. تصير الحكاية نقطة مشتركة بين المريض والمجتمع الذي يعيش فيه.

في الكتابة عن الوباء يصير النص مرآة المريض كي ينظر إلى نفسه، وتلك الكتابة هي الصورة المكملة لصورة المريض في أذهان من يطلعون عليها. إلى غاية اليوم، نحن ننظر إلى من يُصاب بفيروس كورونا في محل المحكوم عليه، فهل نشهد يوماً يتحول فيه إلى محل الناجي ونقرأ «أدب ما بعد الوباء»؟

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

مواضيـــع متشـــابهة