يمكن لفيلمٍ أن يصل درجة التنبؤ، كقصيدة أو رواية كلاسيكيتين

فيلم إن شئت كما في السماء.. وفراغ باريس

فيلم إن شئت كما في السماء.. وفراغ باريس

نعرف أن السينما الروائية كثيراً ما تكون حالةً توثيقية، وهذا يتعلق بتناول السينما لمراحل تاريخية محددة، بتصوير الماضي، والراهن هنا يبقى ماضياً طالما أن الفيلم صناعةٌ (كتابةٌ وتصويرٌ وإنتاج). لكن كحال أعمال فنية، من بينها السينما (كما هو الأدب) يمكن لفيلمٍ أن يصل درجة التنبؤ، كقصيدة أو رواية كلاسيكيتين. والتنبؤ يظهر عادة بعد سنين، خمسين سنة وأكثر. لكنه يظهر كذلك بعد أشهر قليلة، ويأتي تحديداً حين تكون عملية صناعة العمل الفني، لدى الفنان، ممتدة لسنوات، هي ليست إذن تصوير الفيلم وإنتاجه، هي أساساً وقبل ذلك، كتابة الفيلم التي تستغرق، في حالتنا هنا، سنوات. وهي، قبل الكتابة، تأملات صانع الفيلم.

أما الحالة هنا فهي سينما المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، تحديداً في فيلمه الأخير «إن شئت كما في السماء».

مرت عشر سنوات بين هذا الفيلم، والسابق له، «الزمن الباقي» 2009، وذلك لأسباب أهمها أن عملية الكتابة تســــتغرق وقتاً، فلا بد لسليمان أن يعيش المَشاهد التي نشاهدها في فيلمه (لطبيعة كتابته لها)، أو لأسميها اللوحات وليس المَشاهد، فهي حالات وليست أحداثاً، يعيشها سليمان في يومياته، وكذلك يعيشها في ذهنه. لا بد أن تأتيه لا أن يلحقها، تَحضر له في مكانه، في المقهى أو البيت أو الشارع، تمر أمامه، أمام عينيه أو ذهنه، فيسجلها. بعد سنوات تنضج وتندمج وتصبح سيناريو ثم فيلماً.

يقدم هذا «التخمر» في تشكيل اللوحات، وفي مَنتجَتها لتعطي سردية، وهي سردية الشخصية الرئيسية (ES)، إيليا سليمان نفسه، يقدم للسيناريو بعداً تأملياً أبعد مما نشاهده مباشرة، أو مما نشاهده بعينَي سليمان الشخصية في الفيلم. نعرف أنه في عموم أفلامه، وفي الأخير منها تحديداً كونه موضوعنا هنا، يتأمل وحسب، يتلقى المشهد مثلنا، يشاهده (لا أقول يراه أو ينظر إليه بل يشاهده)، تتحول المشاهدة (بصفتها مراقبَة) إلى تأمل، ينقل التأملُ الافتراضَ إلى الممكن في الفيلم، والممكن إلى حدثٍ في الواقع، ليصير التأمل تنبؤاً. هو تنبؤ استغرق عشر سنوات ليصل إلينا على هيئته السينمائية، مَشاهد لا نملك حيالها سوى المشاهدة، وحالات لا نملك حيالها سوى التأمل في ما ستؤول هي (ونحن معها) إليه. فيلمه «إن شئت كما في السماء»، صور الناصرة وباريس ونيويورك، كل في حالتها المكشوفة للتأمل، للمراقبة. الركود الذي تعيشه الناصرة، كمدينة فلسطينية، الملل الذي يحوم فيها، التوتر الذي يتناقله أهلها، هو حالٌ فلسطينيٌ عام، استقر منذ سنوات، وتعدى بتشاؤليته وإرباكاته فلسطينَ إلى العالم، فصار حالاً عالمياً. هو ماض وراهن نتابعهما في مغادرة سليمان/الشخصية فلسطين إلى فرنسا (الناصرة إلى باريس) لنعيش اليوم (في حَجر كورونا) المستقبل في حينه، مستقبل زمنَ كتابة الفيلم، وبمدى أقرب: زمنَ عرضه، وقد افتُتحَ في مهرجان كان قبل أقل من عام، وبدأت عروضه في العالم قبل أشهر من الآن.

الصور التي رأيناها لباريس في الفيلم، المدينة الفارغة تماماً من سكانها، في اللوفر وشاتليه مروراً بأكثر شوارع المدينة ازدحاماً، وكانت في سياقها الكاريكاتيري الهزلي في الفيلم، خليطاً من صباح يوم أحد في باريس، وحالة الطوارئ التي أعلنتها البلاد بعد الهجمات الإرهابية التي طالتها خلال السنوات الأخيرة، وانتشار الجيش والشرطة (استبدال الناس بهم) على الأرصفة. مدينة الأشباح التي لا نسمع من شوارعها سوى هدير المدرعات، كانت هذه باريس في ذهنية سليمان الساخرة المراقبة المتأملة، وكانت كاريكاتيرية إنما، بكاريكاتيريتها هذه، تنبؤية.

للفيلم قسم ثالث هو في نيويورك، وهو ما يمكن أن يكون أبوكاليبتيكياً (قيامياً) في تنبئه، ما يذهب، بنا وبالعالم أجمع، أبعدَ إلى حالة جنون يمكن أن نعيشها بعد حالة العزلة التي نعيشها اليوم في باريس والعالم (ألا تودي العزلة إلى الجنون!)

هذا ما تعيشه باريس اليوم، وقد أعلن الرئيس الفرنسي قبل أيام حظر التجول لاحتواء فيروس كورونا، ونزلت الشرطة والجندرمة إلى الشوارع الخالية لفرض هذا الحظر، والحجر المنزلي، على الباريسيين. فكانت لوحات باريس في الفيلم، حالة المدينة التي سخر منها سليمان، كانت مطابقةً لما سيليها في واقع المدينة، اليوم، فكان الكاريكاتير في الفيلم أمس واقعاً في المدينة اليوم.

للفيلم قسم ثالث هو في نيويورك، وهو ما يمكن أن يكون أبوكاليبتيكياً (قيامياً) في تنبئه، ما يذهب، بنا وبالعالم أجمع، أبعدَ إلى حالة جنون يمكن أن نعيشها بعد حالة العزلة التي نعيشها اليوم في باريس والعالم (ألا تودي العزلة إلى الجنون!)، وحالة القلق التي عشناها أمس، وقد أظهر الفيلم هذه الحالات في نيويورك بعد كل من الناصرة وباريس. في القسم النيويوركي، كل المدنيين مسلحون، برشاشات وأسلحة ثقيلة إضافة إلى الخفيفة. كانت هذه اللوحات كذلك تأملات سليمانية، ساخرة لاذعة كاريكاتيرية بعيدة، كما يمكن أن نتلقاها أول مرة، عن الواقع، واقع البشرية اليوم، لكنها كذلك استمرارية منطقية (بما يمكن أن يحمله تعريف «المنطق» في عالمنا اليوم) لما يمكن أن تكونه حالة الناصرة أولاً، وباريس ثانياً، الأخيرة كاستمرارية للأولى، ونيويورك وتسلح المدنيين كاستمرارية لكليهما. فكان تنقل سليمان/الشخصية بين المدن زمانياً كما هو مكانياً، بعدما توحدت/ تعولمت/ تفلسْطنَت المدن، وصار التنقل بينها تنقلاً زمانياً، مرحلة باريس في العالم تعقب مرحلة الناصرة، ومرحلة نيويورك (القيامية) تأتي أخيراً.

لا نملك سوى تأمل أن لا يصيب سليمان في تأملاته التنبؤية، أو تنبؤاته التأملية، في ما يمكن أن تكون المرحلة التالية مما يعيشه عالمنا اليوم، مرحلة شيوع التسلح والاقتتال المدني بعد مرحلتي القلق والتوتر (الناصرة) والعزلة والفراغ (باريس). لا نملك سوى الأمل في أن لا يصل كوكبنا إلى نيويورك سليمان، وإن كان أملاً هَشاً. ليست أي من هذه المدن الثلاث الجنة، كان لا بد أن تكون، لكنها ليست كذلك. ذهب سليمان في نفي ذلك إلى أقصاه، إدراك ما قصدَه لا يكون بالمشاهدة والتلقي المباشر للفيلم، بصوَره الأولى، بل بمشاهدات متكررة تُدخلنا إلى ما بعد هذه الصور. نفيُ سليمان أن تكون كل من هذه المدن، الجنة، أتى مضموناً، في لوحة أولى أخفاها تحت كل من لوحات الفيلم، هذا النفي هو، بشكل أو بآخر، تمهيدٌ للجحيم.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

مواضيـــع متشـــابهة