المشهد الإيراني يتجه لأن يكون روحاني رئيسا لولاية ثانية

المشهد الإيراني يتجه لأن يكون روحاني رئيسا لولاية ثانية

 

 

في خـضـم الـوضـع الـدولـي الـراهـن اكـتسـت عـمـلية الانتخابـات؛ في بـعض الـدول الـمـؤثـرة؛ اهـتمـامـا كـبـيرا مـن طـرف بـقية الـعـالم ومتـابعـة دقـيقـة في تـرقب نتـائجـهـا، لـمـا لـهـا مـن وزن في رسـم للـسـياسـات الـدولـية الـمتبـعة، وبـالتـالي تـأثـيرهـا الـفـاعـل في الـتوازن الـدولـي، بـرفـع حـالات الـتوتـر الـدولي أو الـحـد مـنهـا، وهـذا بالنـظـر إلى الـظـرف الـدولـي الـدقـيق والـحـسـاس والـذي يـشـهـد تـحـولات كـبرى في مـوازين الـقـوى الـعـالمـية، عـلى خـلفـية صـراعـات كـبيـرة  وحـادة تـأخـذ أشـكـالا عـديدة و مـتعـددة.

فـمـا يـحـدث في مـنطـقة الـشـرق الأوسط؛ وخـاصـة في سـوريـا والـعـراق والـيـمـن، وكـذا التـوتـرات الـمـتزايـدة في مـنطـقة بـحـر الـصـين وعـلى الـحـدود الـروسية. اضـافـة إلى الـتهـديـدات التي يـعـرفـهـا، الآن، الاتحاد الأوروبي مـؤشـرات واضـحـة عـلى هـذا الـوضع الـدولي الـمـعقـد.

فـلقـد تابـع الـعـالم الانتخابات الـرئاسية الأمـريـكية والـمـواجـهة التي دارت بين مـن يـريـد ارجـاع هـيبة أمـريـكا بـمـفهـومـهـا الـقـومـي، اين تـكـون قـوة الـدولـة مـتمثلة في نـمـو الاقتصاد الـداخـلي عـبر احـياء الثكـنـة الـصنـاعية داخـل أمـريكـا وخـلق فـرص الـعمـل للأمـريكـيين وتـحسين مـستـواهـم الـمعيشي وتـقوية الـجيش الأمـريكي. وبيـن نـظـرة مـا اصطـلح عـلى تـسميته بـالدولـة الـعمـيقة، المتمـثلة في الـمؤسسات الاقتصادية الضخمـة الـعابرة للـقارات وأصـحاب الـمال والأعـمال، الـمحرك الـرئيسي للـعولمـة الاقتصادية، والتي أصبحت مسيطرة على عملية صنع الـقرار في المؤسسة الأمريكية الحاكمة بصفة شبه كلية منذ ولاية الرئيس جـورج بـوش الابن. 

حسم التنافس الانتخابي لصالح السيد دونـالد تـرامب ولصالح نـظرة "أمـريكا أولا"، ممـا شكـل صدمة للـمـؤسسة الحـاكمة في أمـريكـا، متمثلة في الـدولـة الـعميقة صاحبة القـرار، إذ تـوجب عليها التعـامل مع هـذا الافراز الجديد للانتخابات واضطرهـا إلى الخروج إلى الـعـلـن، أكثر فأكثر، حيث أجبرت الرئيس الجديد على التراجع عن بعص التعيينات مثلا، أهمـها تعيين رئيس المجلس الأمن القومي.

كـما عـرفت الانتخـابات الـفرنسية اهتمـاما متـزايدا ومتابعة واسعة، من طرف دول العالم عـامة، والدول الأوروبية خـاصة.  وهنـا أيضا تـمحور الصراع بين من يدعـو إلى الخروج من الاتـحاد الأوروبي، الذي أصبح يسيطـر على القرار في فـرنسا، إذ أن الحكومة الفرنسية، ومهما كان لونهـا السياسي، مجبرة على التقيد بقرارات اللجنة الأوروبية خاصة في المجال المالي والاقتصادي، والعـودة إلى السيادة الوطنية، وكذا الاستقلال في المجال الدفاعي بالانسحاب من الحلف الأطلسي. وبين من يدعـو إلى الـبقاء في الاتحـاد الأوروبي، والذي هو في حقيقة الأمر إدارة مدنية تابعة للحلف الأطلسي وامتداد لمشروع العولمة الاقتصادية، وبالتالي فهو واقع تحت سيطرة الشركات العالمية الكبرى ودوائر المال والاعمال. وتابع، ايضا، إلى أمريكا عن طريق الحلف الأطلسي. ومحاولة أصحاب هذا التوجه طرح اجتهادات جديدة لتقديم حلول لمشاكل البطالة والاقتصاد والتهديدات الأمنية. حيث في الأخير فاز مشروع الدولة العميقة في الانتخابات متمثلا في شخص إيمانويل مـاكرون. 

وتأتي الانتخابات الرئاسية الإيرانية، التي ستجري يوم 19 ماي 2017 تزامنا مع انتخابات المجالس البلدية والقروية والانتخابات التكميلية لمجلس الشورى الإيراني، في هذا السياق الدولي والذي يجمع العالم على أهميتها هي كذلك في رسم معالم هذا الواقع الدولي الراهن والمعقد. إلا أنه على عكس الانتخابات الامريكية والفرنسية، حيث تجلى بشكل واضح للأعيان سيطرة دوائر المال والاعمال عن طريق الاعـلام ومؤسسات الاتصال في التأثير على الراي العام، وبالتالي، محاولة التأثير على نتائج الاستحقاقات الانتخابية، عن طريق تسخير آلة دعائية ضخمة لصالح مترشح على حساب الأخرين.

فقد لاحظنا موقف الاعلام الأمريكي من المترشح دونالد ترامب -والذي استطاع تجسيد ترشحه بفضل ثروته الطائلة -         وانحيازه الفاضح لمرشحة المؤسسة الحاكمة الامريكية Establishment، السيدة هيلاري كلينتون إلى غاية اليوم الأخير من الحملة الانتخابية، إلا أن النتيجة جاءت في غير صالحه. كما لاحظنا كذلك، انحياز الاعلام الفرنسي بمجمله –تقريبا-إلى مترشح دوائر المال والاعمال، السيد إيمانويل مـاكرون. مما أدى بالبعض إلى نعته ب:"المنتوج الإعلامي"، في إشارة إلى التغطية الاعـلامية الواسعة التي حظي بها. والتي، في نهاية المطاف، حققت هدفها، بمساهمة الصورة النمطية السيئة التي صنعها نفس هذا الاعلام وعمل على ترسيخها طوال السنوات الماضية. ولم تستطع مرشحة اليمين المتطرف السيدة مـارين لوبان تغييرها.

ففي إيران الجمـهورية الإسلامية الثورية، التي تعتمد على ولاية الفقيه كإيديولوجية، والتي من مقتضياتها السعي لإقامة الحكم الإسلامي وسيادته على البلاد في حقيقته الأصيلة، والمحافظة على المصالح العامة سياسياً وأخلاقياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعيا. فإن الانتخابات الرئاسية الإيرانية تمثل نـموذجا مغايرا للـديمقراطية بمفهومـها الغربي. حيث تعتمد في الأساس على قوة المترشحين وكفاءتهم، وقوة الاقناع لدى كل واحـد منهم، في إطار عـادل للتنافس يعتمد على المـساواة في ميزانية حملة كل مترشح، والتغطية الإعلامية المتوازنة، اضافة إلى المناظرات التلفزيونية المتعددة الهادفة إلى مقارعة الأفكار والبرامج والتصورات لمستقبل الجمهورية الإسلامية. اضـافة إلى وجود مجلس صيانة الدستور الذي من مهامه تأهيل المترشحين إلى خوض هذه الانتخابات، بعد النظر في موافقتهم لمعايير النظام الإسلامي القائم على نظرية ولاية الفقيه كما ذكرنا من قبل.

ففي 20 أبريل 2017، اعلنت وزارة الداخلية الايرانية اسماء ستة مرشحين، وافق على مشاركتهم مجلس صيانة الدستور لخوض الانتخابات الرئاسية، وهم حسن روحاني، ابراهيم رئيسي، محمد باقر قاليباف، اسحاق جهانغيري، مصطفى هاشمي طبا ومصطفى مـيرسليم. فيما رفض مجلس صيانة الدستور ترشيح الرئيس السابق محمود احمدي نجاد ومساعده السابق حميد بقائي.

 

السيد روحــاني: الخيار الاستـراتيجي.

 

إن الـمتتبع للشأن الايـراني يمكنه أن يـلاحظ بسـهولة أن الـسـلوك الانتخـابي للشعب الايـراني محكـوم عـلى الدوام بمصلحة الثورة الايـرانية، والمبادئ التي تحملها من مـواجهة للنظام الدولي المبني على الهيمنة الامريكية والقوى التي تدور في فلكها، من قوى غربية ودول أخرى خاضعة لها. إلا أن الانتخابات الامريكية والفرنسية الأخيرة أوضحت بشكل جلي تحكم قوى بذاتها في العملية الديمقراطية لتلك الدول، وتسيير الارادات الشعبية لمصالحها الخاصة، عن طريق الانتخابات، بالتحكم في اليات صناعة الرأي العام والسلوك الانتخابي.

ومن هنا يمكننا القول، أن الرئيس حسن روحـاني هو الأقرب لأن يكون رجل المرحلة المقبلة وهذا للاعتبارات التالية، 

1- الرئيس روحـاني تقلد مسؤوليات في السلطة التشريعية، فقد كان نائبا في البرلمان الإيراني 1980-2000، وشغل منصب نائبا لرئيس البرلمان (1992-2000)، وكذلك كان أمينا عاما لمجلس الامن القومي الإيراني (1989-2005)، ثم مسؤولا للملف النووي الايـراني بعد ذلك إلا أن أصبح رئيسا للجمهورية سنة 2013، وبالتالي فهو شغل مسؤوليات في السلطة التشريعية والأمنية والتنفيذية. 

2- لقد تم في عهده تحقيق الاتفاق النووي الإيراني مع مجموعة 5+1، إذ نص الاتفاق على قبول إيران بتخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم وأجهزة الطرد المركزي، والقبول بفتح المنشأة النووية للتفتيش من طرف وكالة الطاقة الذرية، في مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. 

3- طرح السيد مرشد الجمهورية الإسلامية لنظرية "الاقـتصاد المقاوم"، سنة 2014 ، أي في ظل حكومة السيد روحـاني،  وهذه النظرية تستحضر التغييرات الإقليمية المحيطة بإيران، وتستشرف المستقبل برؤى بعيدة المدى، وتجعل من الاقتصاد الإيراني يتمتع بمرونة تجعله قادراً على التكيّف مع الظروف والأحوال المختلفة والمتغيّرة، أو بعبارة أخرى، هي نظرية "الاقتصاد المتكيّف"، فعمليّاً، هي "تجعل من الاقتصاد الإيراني اقتصاداً مرناً، فالاقتصاد القوي والحيوي لابد أن يرتبط بالاقتصاد الدولي، لكن عوض التبعيّة يجب الحفاظ على الاستقلالية، بمعنى أنه يتعيّن التمركز حول الإمكانيات الذاتية والتمحور حول القدرات الداخلية والعمل على تقويتها بحيث تصبح قادرة على تحمّل الرجّات الخارجية من قبيل العقوبات وصد الأزمات الاقتصادية."   

4- اضـافة الى الاشـارات الإيجابية لتطور هذا النهج، و التي تضمنها خطاب السيد القائد بمناسبة عيد النيروز (عيد رأس السنة الايـرانية) لهـذه السنة يوم 21/03/2017، حيث قال "... أما المرارات والصعاب فتتعلق غالباً بالمشكلات الاقتصادية والمعيشية للشعب،......وأنجزت لحسن الحظ أعمال جيدة رفعوا لنا تقارير بها، بيد أن ما تمّ إنجازه يفصله بون شاسع عمّا يتوقعه الشعب وما نتوقعه نحن. وسوف أوضّح أن بعض المؤشرات والإحصائيات التي يعرضها المسؤولون إحصائيات إيجابية،". وهـذا مـؤشر على أن المرحلة القادمة، هي مرحلة مـواجهة اقتصـادية، تنـقل إيـران مـن المرتبة العشرين صمن اقتصاديات العـالم، إلى واحـد مـن بين العشر الاقتصاديات الأولى في العـالم. و تشـديـد القائـد عـلى ضرورة تفعـيل المـادة 44 من الدستور الايـراني، و التي تتضمـن تنظـيم الاقـتصـاد الإيـراني.  

5- في المـقابل، يـجب مـلاحظة التطـورات الهـامة التي تحدث في الولايات المتحدة و نتيجة لضغط قوى الدولة العميقة على الرئيس تـرامب من أجل تغيير مـوقفه من الاتفاق النووي و استرجاع العلاقات الاقتصادية مع إيران، بالنظر إلى الفرص الهائلة التي يمنحها هذا الاقتصاد. فللتذكير فقط أن الناتج الاجمـالي لسنة 2015 وصل إلى 400 مليار دولار حققها هذا الاقتصـاد ن في ظل عدم الرفع الكلي للعقوبات. حيث خضع ترامب لهذه الضغوطات و قرر العمل بمهل ال90 يوما لمراقبة سير و تنفيذ هذا الاتفاق. إذ تم في 04 أبريل 2017 ابرام اتفاق بين شركة بوينغ و الحكومة الإيرانية لتسليمه 60 طائرة من نوع 737 ، في إطار اتفاق كلي تم إبرامه في ديسمبر 2016 بقيمة 16.6 مليار دولار و القاصي بتسليم 80 طائرة بوينغ. هـذا ما سيخلق 18000 منصب شغل، إذا علمنا أن أول طـائرة ستسلم سنة 2021. و هـذا يمثل للرئيس ترامب رصيدا في برنامجه القاصي بخلق مناصب شغل و تحريك الاقتصـاد الأمريكي.

6- اضـافة إلى بروز اشـارات اتفاق بين الرئيس ترامب وأحد ممثلي الدولة العميقة، السناتور جـون مـاكين و القاضي بتراجع ترامب عن تفكيك الحلف الأطلسي و الاتـحاد الأوروبي، في مقابل إيقاف الدعم للجماعات الإرهابية في سوريا، و بالتالي التقارب مع روسيا من أجـل احـتواء إيـران لضمـان أمـن إسـرائـيل.

ولـذلـك، فإن الشعب الايـراني سيختار حسن روحـاني لإتمام المـسيرة الاقتصادية للتطبيق الفعلي لنظرية الاقتصــاد المقـاوم، والذي هـو عنـوان المرحلة القادمة من أجل توازنـات دولية تؤجل إلى اشـعـار آخـر خطر المـواجهة الشـاملة،      

وتحقيق مصـالح اقتصادية كبرى في الدينامكية المقبلة للاقتـصاد الايـراني في مرحلة ما بعد العقوبات.

و يتعين عـلى الرئيس روحـاني، في نظرنا، تشكيل حكومة وحـدة وطـنية تجمع الاصـلاحيين والمـحافظين، يكون فيها السيد إبراهيم رئيسي نائبا له، نظرا للحكمة السياسية التي أبان عنها، خلال الحملة الانتخـابية و الطرح المستقبلي والعميق لنظرته إلى ماهية الدولة في إطار النظـام الاسـلامي. حيث يمكنه تبوء منصب رئيس الجمهورية سنة 2021.

بل نـرى من الاصـلح أن تضم الحكـومة المترشحين الاخرين للاستكمال مسيرة التحدي الذي تواجهه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.    

 

 

الدكتور يونس بوعرعارة

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha