ينظر روحاني وظريف إلى الأزمة كفرصة للضغط على الإدارة الأميركية لدفعها إلى إلغاء العقوبات

كورونا في إيران: التسييس حاضر منذ اللحظة الأولى

كورونا في إيران: التسييس حاضر منذ اللحظة الأولى

لكورونا المستجد في إيران قصّةٌ مختلفة. إنه ليس قضيةً صحية وطبية بحتة، بل هو اتخذ طابعاً سياسياً، حتى قبل إعلان الحكومة رسمياً انتقال العدوى إلى البلاد في التاسع عشر من فبراير/ شباط الماضي، وذلك بعد اتهامات واجهتها بالتستر على دخول الوباء إلى إيران لـ"أسباب سياسية"، واتخذ الموضوع على الصعيد الخارجي الطابع ذاته، ليضاف كورونا إلى عناوين الصراع الطويل بين طهران وواشنطن.

 

أشعل تفشي الفيروس سجالاً سياسياً جديداً بين الولايات المتحدة وإيران، وتبادلاً للاتهامات لم يهدأ، ما يؤكد سعي كلّ طرف منهما إلى توظيف الفيروس للنيل من الآخر، في سياق المواجهة الثنائية المشتعلة منذ عامين عقب الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي في الثامن من مايو/ أيار 2018. وأمكن تسجيل تناقض في التصريحات الإيرانية في التعاطي مع موضوع كورونا، من منطلق هذه المواجهة، بين ما بدا وكأنها رسائل مبطنة للحكومة التي لا تزال تأمل برفع العقوبات، والموقف المتشدد للمرشد علي خامنئي.

على الصعيد الداخلي، طغى الطابع السياسي على التعاطي مع الفيروس، ليغلب على الصّحي. هذا أقله ما أوحت به الاتهامات المتعددة التي طاولت الحكومة الإيرانية من قبل المعارضة، وكذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومن أطباء ومشرعين، بدءاً من تهمة التستر على وصول الفيروس إلى إيران، مروراً بالتدابير الوقائية، التي اتهمت وزارة الصحة بأنها لا تتعامل معها من منطلق فني، وصولاً إلى تهمة التعتيم على الأرقام الصحيحة للضحايا والمصابين (الحصيلة الرسمية، حتى أول من أمس الأحد، تخطت الـ1500 وفاة، من أصل أكثر من 20 ألف إصابة).

 

تعرضت السلطات الإيرانية لانتقادات لرفضها عزل المدن في بادئ الأمر، خصوصاً مدينة قم

بحسب بعض تلك الجهات التي وجهت الاتهامات، فقد وقفت "أسباب سياسية" وراء التأخر في الإعلان عن وصول كورونا إلى إيران، وتتلخص في محاولة الحؤول دون تأثيره على مسيرات الذكرى الـ41 للثورة الإسلامية في 11 فبراير/ شباط الماضي، والانتخابات التشريعية يوم 21 من الشهر ذاته. هاتان المناسبتان مهمتان للغاية، وكانت طهران قد راهنت على تحقيق مشاركة شعبية واسعة فيهما، لاستخدامها من جهة في سياق المواجهة مع واشنطن وإرسال رسائل قوة لها، ومن جهة ثانية لتغيير الانطباع السيئ الذي تشكل في الخارج على خلفية الاحتجاجات المطلبية التي اندلعت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي بسبب رفع سعر البنزين. ويأتي ذلك خصوصاً بعدما اعتبرت الإدارة الأميركية أن الاحتجاجات التي خرجت أخيراً في إيران هي ثمرة ضغوطها القصوى على هذا البلد. 

من جهتها، ظلّت الحكومة الإيرانية تنفي صحة الاتهامات المرتبطة بكورونا، داعية إلى "عدم تسييس الموضوع"، ومشيرة إلى إعلانها عن اكتشاف الوباء المستجد في البلاد قبل الانتخابات التشريعية بيومين. إلا أن ذلك لم يرق للمعارضة، التي اعتبرته بمثابة صناعة "تبرير مسبق" لتدني المشاركة في الانتخابات، التي سجلت أدنى مستوى منذ 40 عاماً بوصولها إلى نحو 42 في المائة.

لكن المعطيات الراهنة تؤكد أن كورونا كان قد انتشر في إيران قبل إعلان السلطات بفترة لم تكن وجيزة، بغضّ النظر عما إذا كان سبب التأخر في الإعلان عنه سياسياً، أو أنه يعود إلى الاعتقاد بأن المصابين بكورونا هم مرضى أنفلونزا، كما قال نائب وزير الصحة إيرج ملك زادة، الأسبوع الماضي، للتلفزيون الإيراني، مُقّراً بالتأخر لـ"فترة"، مع تأكيده أن ذلك لم يكن مقصوداً.

وسار الوضع على المنوال ذاته من تخبط وتشابك بين السياسة والصحة، في ما ارتبط بالتدابير الوقائية، مثل فرض الحجر الصحي. وفي هذا الإطار، تعرضت السلطات الإيرانية لانتقادات لرفضها عزل المدن في بادئ الأمر، خصوصاً مدينة قم، حينما تحولت إلى بؤرة تفش لكورونا في البلاد، وهي مدينة انطلقت منها الثورة الإسلامية بالأساس، وتكتسب أهمية كبيرة في السياسة المحلية. ولعل تصريحات متعددة لروحاني، أوضحت بشكل صريح تداخل السياسة بالصحة، حينما اتهم مرات عدة واشنطن ومناهضي الثورة بـ"التآمر" لـ"تعطيل البلاد واقتصادها"، مؤكداً أن "الحجر الصحي الكامل لن يحدث".

وتتخذ أزمة كورونا طابعاً سياسياً، وحتى أمنياً، حيث تنظر إليها طهران كامتداد لنزاعها القديم الحديث مع واشنطن، التي كالت من جهتها الاتهامات أيضاً لطهران حول تفشي الوباء. وثمّة مقاربات إيرانية أخرى، عكستها تصريحات تبدو مختلفة، إذ ينظر الرئيس الإيراني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف إلى أزمة كورونا كفرصة للضغط على الإدارة الأميركية لدفعها إلى إلغاء العقوبات أو تعليقها، باعتبار أن هذه العقوبات تقلص قدرات إيران في مكافحة الفيروس. وفي هذا السياق، دشّنت الحكومة الإيرانية حملةً دبلوماسية مكثفة، عبر مخاطبة رؤساء ووزراء خارجية دول العالم والأمم المتحدة والمنظمات الدولية من خلال إرسال رسائل متعددة، أو اتصالات هاتفية وغيرها. وفي هذا الخصوص، سجل إجراء ظريف أكثر من 30 مكالمة هاتفية مع نظرائه في العالم خلال الأسبوعين الأخيرين بشأن العقوبات.

 

ينظر روحاني وظريف إلى أزمة كورونا كفرصة للضغط على الإدارة الأميركية لدفعها إلى إلغاء العقوبات أو تعليقها

هذه الحملة الدبلوماسية لم تخل من خطوة لافتة، أقدم عليها روحاني يوم الجمعة الماضي، وتمثلت في مخاطبته الشعب الأميركي والتودد إليه، عبر رسالة مفتوحة، بدت أشبه بمبادرة سياسية، لم يسبق لرئيس إيراني أن وجهها في مناسبة عيد النوروز (لا يحتفل به الأميركيون). ودعا روحاني الأميركيين إلى الضغط على إدارتهم لإلغاء العقوبات، لكن الرسالة تضمنت أيضاً إشارات سياسية إلى البيت الأبيض، عندما أكد روحاني أن بلاده "أهل التفاوض دائماً، ولن نهابه"، أو حينما أعلن أن إيران "ترد على الصداقة بالصداقة والاحترام بالاحترام"، كأنه أشار إلى أنها مستعدة للرد بالمثل، في حال اتخذت الولايات المتحدة تجاهها خطوات تنم عن الاحترام.

وقال روحاني خلال جلسة لحكومته، إنه ينبغي للولايات المتحدة رفع العقوبات إذا كانت تريد مساعدة إيران في احتواء تفشي الفيروس، لافتاً إلى أن بلاده ليست لديها نية لقبول عرض واشنطن تقديم مساعدة إنسانية، والذي وصفه بـ"الكذبة الكبيرة". 

وجاءت تصريحات الرئيس الإيراني الجديدة بعد يوم من تصريحات للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، إذ وجّه، الأحد الماضي، اتهاماً مباشراً للإدارة الأميركية بأنها يمكن أن تكون خلف نشر الفيروس، وهو اتهام تجنبه روحاني وأركان حكومته حتى اللحظة، وذلك بعد أن كان قد أمر القوات المسلحة الإيرانية، قبل أسبوعين، باتخاذ حالة "الدفاع البيولوجي" في مواجهة احتمال تعرض البلاد لـ"حرب بيولوجية" أميركية. 

كما أن خامنئي، الذي تناول أزمة كورونا في سياق العداء التاريخي بين إيران والولايات المتحدة، استخدم، أول من أمس الأحد، لغة شديدة الحدة ضد واشنطن، واصفاً المسؤولين الأميركيين بـ"الإرهابيين والكاذبين والظالمين والزعران"، وهي غير لغة "التودد" أو "المغازلة" التي اتسمت بها رسالة روحاني للشعب الأميركي. فضلاً عن أن تصريحات المرشد الإيراني خلت من أي دعوة لإلغاء العقوبات الأميركية لتمكين إيران من مكافحة كورونا المستجد، ربما لقناعته بأن ذلك لن يحصل، بينما تشي تصريحات روحاني وحملته الدبلوماسية لإلغاء العقوبات، وتأكيده على استعداد طهران للتفاوض ولو المشروط، بأن الأخير لم يفقد الأمل بعد بالتفاوض. لكن خامنئي، صاحب كلمة الفصل في السياسة الإيرانية، أكد أن خيار بلاده الوحيد في مواجهة السياسات أو "المؤامرات" الأميركية هو "الصبر والصمود والمقاومة وعدم الاستسلام". 

ورداً على هذه المقاربات الإيرانية المختلفة، أكد البيت الأبيض من جهته عبر جملة مواقف صدرت عنه أخيراً، أنه غير مستعد للتعامل إيجابياً مع رسائل مبطنة، تضمنتها رسالة روحاني. هذا ما اتضح أقله في رسالة التهنئة التي بعث بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشعب الإيراني، بمناسبة "النوروز"، أكد فيها وقوفه إلى جانب المحتجين الإيرانيين، واصفاً إياهم بـ"الشجعان، الذين ثاروا ضد الفساد"، كما أنه هاجم البرامج النووية والصاروخية الإيرانية. هذا بالإضافة إلى رفض أركان الإدارة الأميركية خلال الأيام الماضية، إلغاء العقوبات في هذه الظروف العصيبة التي تواجهها طهران بفعل كورونا، والذي باتت مفاعيله أقوى من العقوبات الأميركية نفسها، لكونه بات يغلق على البلاد نوافذ اقتصادية ظلّت مفتوحة على الرغم من إجراءات الحظر. وهذا ما يبدو أنه يشجع واشنطن على المضي قدماً في مواصلة ضغوطها القصوى على طهران، عسى أن يحقق لها كورونا ما لم يتحقق خلال العامين الماضيين، باعتباره فرصة قد تُعجّل قطف ثمار هذه الضغوط، كما توحي بذلك التصريحات الأميركية.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع