بدأ يتضح الفرز بين يمين أبيض موالٍ للرئيس، وأسود معترض-ومعه آخرون-على ترامب والشرطة معاً

أرقام وأوراق ترامب وبايدن في بداية المنازلة الأخيرة

أرقام وأوراق ترامب وبايدن في بداية المنازلة الأخيرة
بايدن متقدم على ترامب لكن بفارق غير جوهري

 

من الآن وحتى موعد الاستحقاق الرئاسي الأميركي بعد 64 يوماً، صار للأرقام الانتخابية وقعها على خيارات الناخبين غير الحزبيين الذين لم يحسموا بعد تصويتهم. ليس بصورة حاسمة، لكن بدرجة مؤثرة، وسط انفتاح حنفية التسويق الانتخابي على مداها. فالمرشح يفرّغ في الشهرين الأخيرين كل المتبقي في ترسانته من أسلحة وأوراق ترويج وتلميع وتنفير من الخصم، لتعزيز وضعه. بازار انتخابي صاخب يختلط فيه الصحّ بالمغلوط، والتضليل بالجدّية، والحلول بالوعود المنفوخة، والرؤية بالثرثرة.

المرشح المتقدم الذي يصمد في وجه تسونامي التسويق هذا وينجو في المدة الباقية من السقطات وزلات اللسان، ويسلم من نبش المآخذ واللطخات عليه، يحتفظ عادة بالمبادرة حتى النهاية.

المرشح الديمقراطي جو بايدن يحتل هذا الموقع حتى هذه اللحظة، ولو أنه غير متقدم بفارق جوهري. يتراوح حسب آخر الاستبيانات المختلفة بين معدل 5 و6 نقاط. هبط قليلاً عن السابق، لكن أهميته أنّ بايدن محتفظ بالمقدمة منذ الربيع الماضي. لم يقوَ منافسه الجمهوري دونالد ترامب مرة على تجاوز أرقام خصمه، مع أن الرئيس كانت له الأرجحية تاريخياً في تجديد ولايته.

المعركة الحالية غير محسومة بعد، لكن المؤشرات ليست في صالح ترامب

أقل من 25% من الرؤساء فشلوا في إعادة انتخابهم. 12 من أصل 45. صحيح أنّ المعركة الحالية ليست محسومة بعد، لكن المؤشرات ليست في صالح الرئيس.

مثلاً هو لم يقوَ حتى الآن على تصحيح صورة تعامله مع جائحة فيروس كورونا. 63% من الأميركيين ما زالوا يرون أنه كان خاطئاً، وهنا تكمن مشكلته الأكبر التي يتعذر تجاوزها، فيما تزداد الوفيات ويتواصل التعثر الاقتصادي. وربما يفسر هذا هبوط عدد المشاهدين 19,8 مليوناً، لمؤتمر الحزب الجمهوري وخطاب الرئيس دونالد ترامب في ختامه، مقابل 21,8 مليوناً لمؤتمر الحزب الديمقراطي وخطاب بايدن.

هذه المعادلة ترمي بثقلها الآن على الرئيس ترامب، ويبدو أن حساباته لتغييرها قد وضعت حملته على سكة لا تخلو من المنزلقات الخطيرة، طالما تكررت التحذيرات من عواقبها الأمنية والانتخابية. فالبازار الانتخابي الأميركي كل شيء فيه مباح ومشروع، ما عدا التجريح والعنف والسلاح. لكن قبل أيام، نزل السلاح إلى ساحته.

سقط 3 قتلى في ولايتين، وسط وضع عنصري متفجر جرى إسقاطه على الساحة الانتخابية، ما نقل المشهد من انتخابات كانت تجري عموماً من دون ضربة كفّ، إلى منازلة بين شارعين متناحرين، تهدد بالمزيد من العنف.

من بين الضحايا شخصان سقطا برصاص مدني أبيض محسوب على خندق ترامب، في هجومه على تظاهرة ضد الشرطة التي استهدفت أميركياً من السود. ثم ردّ المتظاهرون في ولاية أخرى، واستهدفوا أحد عناصر فريق مسلح من البيض، دخلت عناصره المسلحة إلى ساحة التظاهرة للتصدي لها.

بذلك، بدأ يتضح الفرز بين يمين أبيض موالٍ للرئيس، وأسود معترض- ومعه آخرون- على ترامب والشرطة معاً. اشتباك بدا وكأنه جاء حصيلة خطاب الرئيس الذي دأب على التشديد على أهمية صون "الأمن والقانون"، مع التشديد على الاستعانة بالقوة لضبط الشارع. وتعزز هذا الاعتقاد عندما سارع الرئيس ترامب الأحد إلى صبّ الزيت على النار عندما أشاد بأنصاره البيض المتصدين للتظاهرات، ما جرى اعتباره بمثابة تشجيع على مواصلة حراكهم في هذا الاتجاه، الأمر الذي رفع منسوب التوتر والمخاوف من انفلات الوضع وخروجه عن السيطرة في حال تواصل العمل في نهج توكيل الشارع في تولي الشأن الأمني ظاهراً، والانتخابي ضمناً.

بدأ يتضح الفرز بين يمين أبيض موالٍ للرئيس، وأسود معترض- ومعه آخرون- على ترامب والشرطة معاً

في ظل هذه الأجواء، طلب حاكم ولاية ويسكونسن من الرئيس ترامب صرف النظر عن زيارته، إلى مدينة كينوشا التي أصيب فيها أميركي أسود غير مسلّح قبل أيام عدة بالشلل، بعد إصابته برصاص شرطي أبيض. الرئيس الذي تأخر اعترافه حتى اليوم بالحادثة ووضعها في خانة "الخطأ"، أصرّ على الزيارة.

كذلك فعل تاد ويلر، رئيس بلدية مدينة بورتلاند – ولاية أوريغون – التي سقط فيها الأبيض المحسوب على خندق الرئيس، حيث خاطب هذا الأخير بلغة الاتهام الصريح وبتحميله مسؤولية زرع "الكراهية والشقاق" بين الأميركيين. البيت الأبيض ردّ بلهجة حازمة على رئيس البلدية، وبما يشير إلى عزمه على الاستمرار في هذا الخط.

الإثنين، استأنف بايدن الجولات الانتخابية العادية وإن المختصرة منها، وبضوابط كورونا. واليوم الثلاثاء، يعود إليها الرئيس ترامب، وهو يدخلها من دون برنامج محدّد لهذه الانتخابات. اكتفى باعتماد برنامج معركته لعام 2016. يومذاك، استعان بخطابه الشعبوي الذي حمله إلى البيت الأبيض. هل يخدمه مثل هذا الخطاب في زمن خسائر كورونا وارتفاع معدلات البطالة؟

الأرقام تحمل على استبعاد ذلك. ومن هنا، مراهنته على تحريك قاعدته "للتخويف" كما يقول خصومه، علّ ذلك يؤدي إلى هبوط نسبة المشاركين في الاقتراع، وترك الساحة بالتالي لقاعدته المستنفرة والعازمة على التصويت تحت كل الظروف الكورونية وغيرها، أو علّ فوضى الشارع تؤدي إلى تشويه عملية الاقتراع ورسم علامات استفهام على صدقيتها واستقامتها، وبما يجعلها موضوع نزاع قضائي وجدل سياسي، ويدخل الوضع في أزمة عاتية.

وهذا احتمال متداول أخيراً، إلى حدّ أنه حمل رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الجنرال مارك ميلي على التنبيه والتشديد على أن "الجيش لن يكون له أي دور في فضّ أي نزاع ينشأ حول الانتخابات. فهذا بحسب الدستور متروك للكونغرس والقضاء، ولا علاقة للقوات المسلحة به"، كما قال في ردّه على سؤال موجه له من نائبين في الكونغرس إثر تصريح الرئيس بما يفيد بأنه قد لا يسلّم بنتائج الانتخابات.

وكان الجنرال ميلي قد أدلى بتصريح مشابه بعد نزوله خطأ كما قال، مع الرئيس ترامب إلى حديقة لافاييت المواجهة للبيت الأبيض بعد طرد المتظاهرين منها في يونيو/حزيران الماضي. وفي الحالتين، حرص الجنرال ضمناً على تذكير البيت الأبيض بأن عليه ألا يعوّل على الاستقواء بالعسكر لحسم أي خلاف انتخابي لصالحه.

في ظل هذه الأجواء، دخلت المنازلة الانتخابية دورتها الأخيرة.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع