تونس: تصاعد العنف السياسي يهدد التجربة الديمقراطية

تونس: تصاعد العنف السياسي يهدد التجربة الديمقراطية

تزايدت مخاوف التونسيين من تصاعد لهجة وأشكال العنف بكل أنواعه في الفترة الأخيرة، خصوصاً منسوب العنف السياسي الذي عكسه تبادل اتهامات خطيرة بين العديد من الأحزاب والشخصيات، مثلما حدث تحت قبة البرلمان أخيراً، أو في الحوارات عن بُعد بين مختلف الأحزاب والمنظمات وفي المنابر الإذاعية والتلفزيونية، وفي المناطق حيث تصاعدت وتيرة الإضرابات والاعتصامات، وحتى في أعداد وأشكال الجريمة أيضاً، هذا الواقع ذكّر التونسيين بفترات صعبة للغاية مروا بها خلال السنوات الأخيرة، وكانت تهدد الخيط الرفيع الذي يفصل بين ثورتهم السلمية والسقوط في مربع العنف.

مظاهر هذا العنف المتصاعد نقله التلفزيون مباشرة إلى التونسيين، في جلسة للبرلمان بشأن العدالة الانتقالية، كشفت عن حقد متبادل بين أطياف المنظومة السياسية التونسية تجاوز كل أشكال المهادنة التي تفرضها التقاليد والأعراف السياسية، ونشبت معركة حقيقية بين النائبة عن حركة "النهضة" منية إبراهيم، ورئيس مجلس النواب محمد الناصر، إذ اتهمت إبراهيم رئيس المجلس بتضارب المصالح لأنّه مشمول بالعدالة الانتقالية (وهو ما نفته هيئة الحقيقة والكرامة) ما دفعه إلى القول "كلامك غير صحيح وأنا أنظف منك ومن القريبين منك". وردت إبراهيم في مداخلة ثانية "أنا أشرف منك وأكثر رجولة منك لأنّي لا بعت ولا خنت لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل".

وشهدت الجلسة نفسها خلافاً كبيراً بين النائبة المعارضة سامية عبو، والنائب عن "نداء تونس" حسن العماري. إذ أشارت عبو إلى تورّط بعض النواب في ملفات فساد ورشوة ومحسوبية وقضايا تمس أمن الدولة، ليرد العماري بأن ليس له محاضر في مركز الشرطة ولم يكن رقاصاً في مدينة طبربة ويعرف تاريخها والفيديوهات التي تشهد على تاريخ سامية عبو، حسب تعبيره. وتواصلت سلسلة الاتهامات بينهما بعد ذلك في صفحات الجرائد والمنابر الإذاعية والتلفزيونية، ما أثار استهجان التونسيين جميعاً واستنكارهم لهذا السقوط الاخلاقي في حوار مسؤولين انتخبهم الشعب. وهاجمت منظمات عديدة النائب العماري بسبب هذه الاتهامات الاخلاقية التي ثبت أيضاً أنها غير صحيحة.

ووصل الأمر إلى تعبير نائب مستقيل من "آفاق تونس"، علي بنور، عن أمله في الاستماع إلى "البيان رقم واحد" أي الدعوة إلى انقلاب عسكري، بسبب الفشل السياسي والحكومي الواضح في معالجة الأوضاع المزرية، ما أثار موجة من الاستهجان وحتى المطالبة بمحاكمته. وتصاعد التلاسن بينه وبين النائب عماد الدايمي إلى درجة خطيرة من استعمال مصطلحات قاسية وتهم خطيرة.

هذه الحالة من الفوضى التي وصل إليها الوضع في البرلمان، دفعت المعهد العربي لحقوق الإنسان لإصدار بيان دعا فيه إلى إيقاف الموجة الخطيرة من الانزلاق في العنف وهتك الأعراض والتشهير بالمنافسين أو المعارضين. ولاحظ أن تصاعد خطاب العنف والسلوك العدواني ليس نتيجة أخطاء فردية معزولة، وإنما هو دليل على وجود أزمة حقيقية وعميقة في التعليم والتربية والثقافة، وهو نتيجة حتمية للتعطيل اللاواعي أو المقصود لمسار الإصلاح والانتقال السلس والتلقائي نحو الاستقرار الديمقراطي وإرساء المؤسسات القانونية التي تستمد منها دولة القانون وجودها وتوازنها.

مظاهر هذا العنف السياسي المتصاعد برزت أيضاً في تعطل لغة الحوار بين الأحزاب والمنظمات والحكومة، مع تواصل أزمة التعليم الثانوي والتعليم العالي، وقطاع الصحة، وإضراب سائقي الأجرة، وعاد المضربون جنوباً في الكامور إلى خيامهم، فيما يترنّح إنتاج الفوسفات بسبب أزمة الحوض المنجمي، وتوفي مشجع رياضي بعد مباراة كرة القدم، ما حوّل القضية إلى اتهامات مباشرة إلى الأمن بتسبّبه في هذه الوفاة.

ويأتي كل هذا قبيل أيام من انطلاق الحملة الانتخابية للانتخابات المحلية، وهي موعد يتوقع الكثيرون أن يشهد ارتفاعاً في موجة التنافس السياسي وتصاعد حدة الخلافات والخطابات السياسية. ويتساءل تونسيون كثيرون عن أسباب هذا التوتر الشديد في الآونة الأخيرة، وسط مخاوف حقيقية من تداعياته على وضع البلاد ومستقبل التجربة الديمقراطية الهشة، بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية خصوصاً.

ولفت الباحث الاجتماعي والمختص في علم اجتماع الجريمة، سامي بن نصر، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن ما لوحظ في السنوات الأخيرة هو بروز الظاهرة العنفية بنوعيها اللفظي والمعنوي، إلى جانب بروز أزمة تواصل في تونس وهي أزمة حادة. وأوضح أن أغلب الدراسات أكدت أن المجتمعات بعد الثورات تبرز فيها ظواهر اجتماعية بما فيها العنفية، ولكن ما يُزعج نسبياً هو استمرارها لفترة طويلة، حينها تصبح غير طبيعية، مشيراً إلى أن العنف بقي بعد سنوات من الثورة على الوتيرة نفسها بل ارتفع أكثر، ويعود ذلك إلى أن كل تونسي لديه شحنة عنفية مكبوتة وهي قادرة على الانفجار في كل لحظة، لافتاً إلى أن جرائم قتل تُسجل أحياناً لأسباب بسيطة بسبب هذه الشحنة العنفية المكبوتة، بالإضافة إلى الحالة النفسية الاجتماعية للتونسي ببروز ثقافات مدمرة ومنها ثقافة اليأس والفشل والألم.

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha