اشتداد تنافس الأحزاب التونسية على القواعد الدستورية

اشتداد تنافس الأحزاب التونسية على القواعد الدستورية

    • تحالف بين "نداء تونس" و"المشروع" استعداداً للانتخابات المقبلة

 

تشير التحركات والمعطيات الجديدة في الساحة الحزبية التونسية، إلى تزايد التنافس حول القواعد الدستورية والتجمعية (نسبة إلى حزب التجمع المنحل) باعتبارها مخزوناً انتخابياً هاماً وماكينة انتخابية، خبرت عبر السنوات كيفية التعامل مع الحملات الانتخابية، بالإضافة إلى وجود عدد كبير من الكوادر السياسية والمالية التي بقيت في وسط المشهد تبحث عن جهة حزبية تدعمها. 

مع تزايد أزمات "نداء تونس"، تسعى كل الأحزاب القريبة منه إلى وراثة ما تبقى من أجنحته، من خلال تبنيها لنفس خطابه ومحاولة استعادتها لتموضعه قبيل انتخابات 2014. ولكن تفرّق الدستوريين إلى حوالي عشرة أحزاب، تحديداً خصوصاً قياداته وشخصياته المهمة والمرجعية، جعل تجميع هذا الخزان مهمة صعبة للغاية، بالإضافة إلى تعدد خطاباته وعدم وضوحها بشأن القضايا الكبيرة التي تطرح على الساحة.

وأمام هذا الوضع برز "الحزب الحر الدستوري" الذي تقوده التجمعية المعروفة عبير موسي، بخطاب راديكالي يقف ضد الثورة ورموزها ونتائجها، وبالأخص ضد حركة "النهضة"، مستغلة العثرات الاقتصادية والاجتماعية ومحملة إياها بالكامل لـ"النهضة" ولمنظومة الحكم، وطارحة نفسها بديلاً لها. واستطاعت موسي تحقيق بعض التقدم في استطلاعات الرأي الأخيرة، وجاء حزبها خامساً في نوايا التصويت للتشريعية بـ9.2 في المائة، ورئيسته في المرتبة الرابعة في اقتراع الرئاسيات بـ7.1 في المائة من نوايا التصويت. هذه الأرقام وعلى الرغم من أنها نسبية، أربكت بعض خصوم موسي، ولكنها دفعت في المقابل بعض منافسيها من الطامحين لوراثة قواعد "التجمّع"، إلى الدخول على خط المنافسة بقوة.

 

    • استطاعت موسي تحقيق بعض التقدم في استطلاعات الرأي الأخيرة

 

وجاءت آخر المبادرات من حزب "مشروع تونس"، أحد أول الأجنحة المنشقة عن "النداء"، بدعوة رئيسه محسن مرزوق، إلى عودة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي "لأنه بحسب الأخبار، مريض جداً، وقد أوصى، إذا حلّ الأجل والأعمار بيد الله، أن يدفن في السعودية". وأضاف مرزوق في تدوينة على صفحته الرسمية: "لم أكن أبداً من أنصاره ولا جمعتني به مصلحة أو اتفاق، وكنت مختلفاً مع جانب كبير من توجهاته السياسية، ولكنني في هذا الشهر الفضيل، أطلب له الرحمة الإلهية وتخفيف القضاء الذي لا بدّ له منه. فحكم القانون لا يتناقض مع الرحمة. والتونسيون أهل رحمة". وأضاف مرزوق "نحن طالبنا دائماً بإنصاف ضحايا الفترات السابقة من تاريخ تونس ولكن في إطار المصالحة. تونس انتقلت من عهد إلى عهد ولن تعود للوراء ولكن لن تستقيم أمورها بالانتقام والتشفي لأن آثاره عكسية".

كما شدّد مرزوق في تصريح إذاعي على أنه "لم يتحدث بخصوص موضوع صحة بن علي وعودته إلى تونس على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك فقط، بل طرح هذا الموضوع في أعلى اجتماع ممكن في الدولة التونسية أي في لقاء بين رئيس الحكومة والأحزاب المشكّلة للحكومة". وانتقد ما اعتبره "نفاقاً كبيراً، خصوصا أن اثنين من وزراء بن علي سابقاً موجودان حالياً في الحكومة وهما حاتم بن سالم ورضا شلغوم". وختم مرزوق بالإشارة إلى أن العديد يريدون الاستفادة من بقايا نظام بن علي.

هذه التصريحات التي أثارت جدلاً في تونس، دفعت بن علي إلى توجيه رسالة من السعودية، بحسب محاميه في تونس منير بن صالحة، قال فيها إن "العديد من التصريحات تتالت داخل تونس تداولت اسمي ووضعي الصحي وعدداً من المسائل التي تهم شخصي كرئيس سابق للجمهورية التونسية، رافضاً رفضاً تاماً أن يتحول شخصي إلى موضوع للتوظيف والاستثمار السياسي". وأكد في الرسالة عدم صحة ما ذهب إليه مرزوق من أنه مريض جداً وأنه سيدفن بالسعودية، مشدداً على أنه بصحة جيدة.

 

    • دعا محسن مرزوق، إلى عودة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي

 

ولكن التنافس على تجميع هذه القواعد لا يتوقف عند هذه المسألة، فهناك حديث أيضاً عن محاولات إحياء ما يسمى ب"النداء التاريخي" أي الذي أسسه الرئيس الباجي قائد السبسي قبل الانتخابات الماضية وتمكّن من خلاله من الفوز بالتشريعية والرئاسية. ولأنها محاولة يائسة خصوصاً مع تشتت هذا الحزب إلى أحزاب كثيرة وفشل كل المحاولات السابقة في لمّ شتاته، تسعى بعض المكونات الحزبية إلى الالتقاء من جديد، من بينها "مشروع تونس"، وشق "النداء" الذي يقوده سفيان طوبال المعارض لحافظ قائد السبسي.

وأكد الأمين العام لهذا الشق من "النداء"، عبد العزيز القطي، أنه سيجري توحيد كتلة "النداء" مع كتلة "مشروع تونس" والاتفاق حول رئيسها، مشيراً إلى أن توحيد العائلة الوسطية هو دور كل من يرغب في التجميع ولم الشمل لاسترجاع "النداء" التاريخي، وهذا الحديث ليس جديداً فقد سبق للنائب عن كتلة "الحرّة" التابعة لحركة "مشروع تونس"، حسونة الناصفي، أن أكد منذ أشهر وجود مشاورات بين حركة "مشروع تونس" وحزب "تحيا تونس" وحركة "نداء تونس" من أجل توحيد العائلة الديمقراطية الوسطية، مضيفاً أن الأمين العام محسن مرزوق قدّم عدّة تنازلات بهدف تحقيق هذا المبتغى على غرار التنازل عن الزعامة والبقاء في الصف الثالث أو الرابع، حسب قوله.

وأمام فشل المشاورات حتى الآن مع "تحيا تونس" وانقسام "النداء" إلى حزبين جديدين، يبدو التوجه مرحلياً إلى تجميع المشروع مع أحد الشقين في انتظار التحاق البقية بهما لاحقاً إذا توفرت ظروف ذلك، في حين يتحدث البعض عن تنسيق بين المكونات التجمعية لكل هذه الأحزاب، وربما يدخل حزب عبير موسي على الخط أيضاً، على الرغم من اختلاف الخطابات مع هذا الحزب وتبادل الاتهامات مع رئيسته.

 

    • تحالف بين "نداء تونس" و"المشروع" استعداداً للانتخابات المقبلة

 

حسمت قيادة حزب مشروع تونس، الذي يتزعمه محسن مرزوق، وتيار نداء تونس، الذي يقوده رئيس الكتلة سفيان طوبال، برنامج تحالفهما في "النداء التاريخي"، استعداداً للمحطات الانتخابية المقبلة، وعقدت قيادة الحزبين اجتماعاً تنسيقياً، تم خلاله بحث إمكانية الانصهار أو الاندماج بين الحزبين، أو عقد تحالف استراتيجي بينهما على أسس خوض الانتخابات التشريعية المقبلة، في قائمات موحدة.

واتفقت قيادة الحزبين على الانطلاق من تجميع كتلتي "الحرة لمشروع تونس" وكتلة "نداء تونس"، حتى تكون نواة التحالف الجديد تحت مسمى "النداء التاريخي"، في انتظار أن تنضج بنود التحالف بينهما المرجح إعلانه رسمياً نهاية الأسبوع.

وارتفع نسق المشاورات بين الحزبين مع قدوم مديرة الديوان الرئاسي المستقيلة أخيراً سلمى اللومي، التي أعلنت تفرغها لتجميع العائلة الوسطية التقدمية كأبرز أسباب استقالتها من الرئاسة، وينتظر أن تتم تسمية اللومي رئيسة لحزب نداء تونس، الذي يقوده سفيان طوبال حالياً، باعتباره يشمل غالبية أعضاء الكتلة البرلمانية من جهة، ويتجمع حوله غالبية أعضاء اللجنة المركزية المنتخبة في المؤتمر الأخير للحزب.

ويرى مراقبون أن محرك توحيد قوى مشروع تونس مع نداء تونس، هو قراءة واقعية لموازين القوى الانتخابية في المشهد السياسي الحالي، التي أظهرت أن خوض هذه الأحزاب الانتخابات منفردة سيؤدي إلى خسارتها وقد يقود إلى اندثارها، كما يمثل عامل استقرار وقوة حزب النهضة انتخابياً عاملاً لتجميع هذه الأحزاب، حتى تصبح قادرة على منافسته وتحقيق التوازن الانتخابي معه.

كما يعتبر مراقبون أن إبعاد نجل الرئيس حافظ قايد السبسي، أصبح أحد عوامل إنجاح برنامج توحيد هذه القوى، التي يبدو أنها انسلخت من النداء احتجاجاً على مواصلته قيادة الحزب، وقالت القيادية في حزب مشروع تونس خولة بن عائشة لـ"العربي الجديد"، إن باب الانضمام والالتحاق بـ"النداء التاريخي" مفتوح للجميع، مشيرة إلى أن حزب المشروع يحبذ أن يكون "تحيا تونس" من بين المؤسسين لهذا التحالف.

ولفتت بن عائشة إلى أن التحالف بين "المشروع" ونداء تونس، سيتم إعلانه رسمياً حتى وإن لم يلتحق "تحيا تونس"، "وهذا لن يحول دون مواصلة التحضيرات والاستعدادات المشتركة للمحطات الانتخابية المقبلة".

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha