هل بالإمكان إيجاد مرشح لرئاسة البلاد في الفترة المقبلة بمواصفات الرئيس السابق؟

عندما تبحث تونس عن رئيس كالسبسي

عندما تبحث تونس عن رئيس كالسبسي

انطلق يوم الثاني من أوت الحالي، سباق رئاسيات تونس بتقديم الترشحات، وسيستمر إلى يوم الجمعة المقبل، وإلى حين كتابة هذه الأسطر، تقدم عشرات الراغبين والراغبات لخوض المنافسة وسط توقعات بأن يكون عددهم، على الرغم من الروزنامة الضاغطة لهذه الانتخابات (15 أغسطس/ آب 2019) متجاوزاً بنسبة عالية الانتخابات الرئاسية 2014 (63 مترشحاً قُبل منهم 27).

هنالك قراءتان لهذا السباق، تذهب الأولى، وهي الأرجح، إلى أن تترشح لهذا الاستحقاق أغلب الشخصيات الحزبية الوازنة، يضاف إليها عدد مهم من الشخصيات المستقلة، ذات الهويات والمرجعيات المختلفة. وتذهب القراءة الثانية، وهذا ما رجح لدى العقلاء، إلى أن يقع وفاق بين أهم الأحزاب في الساحة السياسية حول شخصية توافقية ذات مواصفات محددة تخلف الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي.

السؤال الأهم الذي يشغل بال المتابعين في الداخل والخارج: هل بالإمكان إيجاد مرشح لرئاسة البلاد في الفترة المقبلة بمواصفات الرئيس السابق؟ وهذه تعزّزت في المخيال الجمعي التونسي أياماً قليلة بعد رحيله، فقد غادر السبسي سدة الرئاسة تاركاً إرثاً كبيراً من بعده، ومواصفات محدّدة لمن سيخلفه، صاغها خلال فترة حكمه على قصرها، أهمها الحكمة والرصانة والالتزام بالدستور وقيم الحرية والديمقراطية، بما يعطي للرئاسة رمزية السيادة الوطنية في الذود عن حمى الوطن، ورعاية مصالحه وحفظ أمنه القومي. 

إلى جانب ما نسجه الباجي ذو الخبرة الديبلوماسية الطويلة من علاقات خارجية مهمة، أعادت للديبلوماسية التونسية وهجها بعيداً عن الاصطفاف وفق عقيدة الشخص أو الجماعة، لا وفق مصلحة الدولة والمجتمع، ناهيك عن قيام لوبيات قد تشكل دكتاتورية جديدة على رأس الدولة، ناسفة بذلك شعارات الثورة ومطالبها في  استطاع الرئيس الراحل، في ظرف صعب، أن يكون شخصية وفاقية تحظى بثقة الشعب غير محسوبة على أي طرف إقليمي أو دولي. 

وكما وصفه أحد المحللين البارزين، هو "خليط رفيع من المعرفة والتجربة والنظرة البعيدة والمعمقة للأمور جعلت من خطوطه المتوازية تلتقي في كنف التوافق والتشارك وعدم الإقصاء، مما بعث مناخاً سليماً تظلل به الجميع..". ومما سيحفظه التاريخ للرجل أنه أخذ بيد الديمقراطية الناشئة في بلده في بيئةٍ داخليةٍ صعبةٍ ومحيط إقليمي مشتعل، واستطاع أن يصل بالسفينة على الرغم من الأمواج العاتية إلى بر الأمان.

وفي المحصلة، يمكن القول إن السبسي قد رفع سقف التحدّي عالياً لإيجاد شخصيةٍ بهذه المواصفات، تخلفه في هذا المنصب. شخصية ستجد نفسها مجبرةً على التقيد بما أنجز والسير في الطريق نفسه مع ما كان للباجي من إرث بورقيبي، وتعلّق بقيم الجمهورية الأولى التي ما زالت تطبع شرائح كثيرة من الشعب التونسي.

وتنزيلاً لكل ما سبق في المشهد الانتخابي الرئاسي الراهن، فإن شخصيات قليلة يمكن أن تقارب هذه المواصفات وتلامسها، منها وزير الدفاع الحالي عبد الكريم الزبيدي، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، ورئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر، ووزير الوظيفة العمومية والحوكمة والإصلاح الإداري كمال مرجان. 

وتفيد تسريبات خاصة بأن الرئيس الراحل قد يكون أوصى وزير الدفاع، وهو آخر من التقى قبل وفاته، قائلاً "لا تتخلَّ عن تونس إنها في حاجة إليك"، ودعاه إلى الترشح لرئاسة البلاد. وتضيف هذه التسريبات إن السبسي تأمل المشهد من حوله جيداً منذ أكثر من عامين، ليس فقط من موقعه رئيساً للدولة. ولكن كشخص بلغ من العمر عتياً، وحمل إرث الزعيم المؤسس الحبيب بورقيبة، ويعتبر نفسه مؤتمناً على مقومات دولة الاستقلال وثوابتها وإرثها، الدولة التي عمل في كنفها منذ ستين عاماً، والتي تتطلب الكثير من الحكمة والحنكة والرصانة في إدارة توازناتها الداخلية وعلاقاتها الإقليمية والدولية. ولذلك، لمّا أدرك قرب المنية، دعا وزيره للدفاع إلى أن يتولى هذه المهمة، خصوصاً وأن تونس لا تزال مهدّدة بالإرهاب، وتمر بهزاتٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ، ولم تستكمل بعد انتقالها الديمقراطي، وتحيط بها من الشرق والغرب توترات حادة. 

 

    • "استطاع السبسي، في ظرف صعب، أن يكون شخصية وفاقية تحظى بثقة الشعب غير محسوبة على أي طرف إقليمي أو دولي" 

 

يجمع محللون على أن الرئيس الراحل لم يستسغ نتائج استطلاعات الرأي التي أنجزتها أكثر من مؤسسة محلية ودولية، والتي صعّدت شخصياتٍ لم تكن أسماؤها متداولةً في الساحة السياسية، أو ذات كاريزما أو رصيد سياسي ونضالي معتبر فيما سمي بـ"الزلزال" على غرار صاحب قناة نسمة، نبيل القروي، وأستاذ القانون الدستوري، قيس سعيد، القريب من الإسلام السياسي وتعبيراته الحزبية، مثل حركة النهضة وحزب التحرير والتيارات السلفية.. وألفة التراس صاحبة جمعية "عيش تونسي" التي قيل إنها وافدة من الخارج بتمويلات ضخمة مشبوهة، وبدعم فرنسي من زوجها القريب من الرئيس الفرنسي ماكرون، وعبير موسى رئيسة الحزب الدستوري الحر. وبعيداً عن هذا وذاك، بادرت أسماء كثيرة أخرى إلى تقديم ترشحاتها، منها زعيم التيار الديمقراطي محمد عبو والقيادي في حزب "الوطنيون الديمقراطيون الموحد" المنجي الرحوي وغيرهما. 

الملاحظ أن أغلب هؤلاء المرشحين أعلنوا بأنهم ورثة بورقيبة، استثماراً للحظة العاطفية التي وسمت مختلف أطياف الشعب التونسي لدى تشييع جنازة الرئيس، ولكنهم أعطوا انطباعاً للناخبين بأنهم يخوضون حرب زعامات، ما تستبعد معه إمكانية التوافق حول مرشح واحد منهم. ومهما يكن من أمر، فإن مؤشرات عديدة تفيد بأن الشخصية الأقرب إلى الفوز بكرسي الرئاسة هي عبد الكريم الزبيدي، اعتباراً لرمزية المؤسسة العسكرية التي يرى فيها التونسيون عنوان الاستقرار والأمان، وهي التي أنقذت الثورة وحمت الشعب، بما يضمن استمرار الاستقرار والحالة التوافقية التي سار عليه الرئيس السابق، خصوصاً وهي مدعومة من الحزب الأقوى في البلاد، إذ اعتبرها رئيس حركة النهضة، الشيخ راشد الغنوشي، بأنها شخصية صديقة للحركة، كما امتدح خصالها رئيس الحكومة يوسف الشاهد في آخر ظهور تلفزيوني له، علاوة على تحليها بخصال كثيرة، في مقدمتها الكاريزما والاستقلالية الحزبية ونظافة اليد والخبرة وعدم الظهور المجاني، إلى جانب تمتعها بشبكة علاقات دولية مهمة، ما جعل شرائح عديدة من الشعب التونسي تكن له الاحترام والتقدير، فضلاً عن المؤسسة العسكرية التي قضى على رأسها أطول فترة يقضيها وزير بعد الثورة، والتي تتمتع بحق الانتخاب طبقاً للقانون الجديد.

لم يتورّط الرجل في صراعات سياسية، ويحظى بحكم موقعه الحكومي باحترام كل التيارات، ما قد يجعله العصفور النادر، لا لحزب معين، بل لرئاسية قد يستمر معها استقرار تونس واستكمال مساراتها الإصلاحية. وبذلك سيكون الزبيدي إضافة إلى السياسة، وليس عسكرةً لها.

عن هذا الاستحقاق الانتخابي يقول المهدي مبروك وزير الثقافة التونسي عامي 2012 و2013 في مساهمة له أن تونس تعيش اليوم على وقع حملة انتخابات رئاسية سابقة لأوانها في تونس، ممزوجة بمناخ الحداد على رحيل الرئيس الباجي قائد السبسي، أغلقت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات باب تلقي مطالب الترشح للانتخابات النيابية، التي ستجري يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، وكانت الحصيلة وفيرة: 1592 قائمة، منها 695 حزبية و707 مستقلة و190 ائتلافية، يترشح هؤلاء لعضوية برلمان يضم 217 نائباً. في الوقت نفسه تقريباً، فتحت الهيئة أبواب تلقي الترشحات للانتخابات الرئاسية التي يبدو أنها ستكون مشوّقة في ظل تعدّد المترشحين، وتباين أصولهم الاجتماعية ومساراتهم السياسية والفكرية.

لم تخل الأيام الأخيرة من مفاجآت أبانت عن قيم ومعايير، تؤشر إلى الثقافة السياسية التي توجه السلوك السياسي للفاعلين، فلقد شهدت الأسابيع الأخيرة انتقالاتٍ لزعامات حزبية من حزب إلى آخر. ولعل أبرز هؤلاء الفارّين من حزب نداء تونس، بعد وفاة مؤسّسه الباجي السبسي، وانتقال أمر الحزب إلى ابنه حافظ قائد السبسي، الذي صرّح أخيراً بأنه سيتفرّغ لحراسة المعبد، متجاهلاً أن هذا المعبد سينهار تدريجياً، وقد يقع على السبسي الابن نفسه بين لحظة وأخرى. لقد نزحت بعض قياداته، ومنهم رئيس كتلته النيابية، إلى حزب جديد ظهر قبل أسابيع، حين صادق مجلس نواب الشعب على قانون يمنع رؤساء الجمعيات من الترشّح، قبل أن يرفض الباجي السبسي التوقيع على هذا القانون، في سياقات غير دقيقة، تتعلق "بحالة العجز ومرض الموت" التي قد تكون وراء ذلك. لا يختلف كثيراً أمر مديرة الديوان الرئاسي سابقاً، التي ترحلت خلال المدة النيابية الفارطة بين مناصب عديدة (وزارة السياحة..)، لعل آخرها مديرة ديوان رئاسة الجمهورية، ثم استقالت لتتفرّغ لتسيير حزب نداء تونس، قبل أن تستقر أخيراً في حزبٍ "استعارته" لصناعة وهم "أمل تونس".

مشيرا: "ليست الديمقراطية مجرد سباق، سيكون فيه الفائز هو الأقدر على حشو الصندوق بأوراق لصالحه، فهذا سلخ للديمقراطية ونزع جوهرها: إرادة شعب حرّ يختار حاكميه. حين يسلب المال والديماغوجية إرادة الناخبين، ويزيّن لهم حكامهم وهماً خلاف ذلك، فإن الديمقراطية تظل مشوهةً فاقدة جوهرها. وما أكثر الحالات التي تحولت فيها الديمقراطيات إلى استبداد أو فساد. ولذلك تكفر الشعوب أحياناً بالديمقراطية، حين يتم اغتصابها وترذيلها. ما زال السباق طويلاً ومشوقاً. ولكنّ ثمّة غباراً في الطريق، قد يحجب الرؤية في مسار انتقالي هو أصلاً متعثر".

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع