سيوف مشرعة وتهدئة تلوح في غزة

كثر الحديث الإعلامي حول زيارة وفد حركة حماس من الخارج إلى قطاع غزة وما يترافق معها من جهود ومباحثات دولية وإقليمية من أجل الوصول إلى وقف إطلاق نار دائم يستمر لفترة غير قصيرة أو تهدئة طويلة تمتد لسنوات في مقابل رفع الحصار بشكل كامل أو تدريجي.

تجدر الإشارة إلى أنه لأول مرة يكتمل نصاب المكتب السياسي لحركة حماس بأقاليمها الثلاث داخل فلسطين، وتشي زيارة الوفد بوصول المباحثات إلى نقطة متقدمة، مع خروج تسريبات تفيد بوجود تباينات كبيرة داخل حماس حول التهدئة، في مقابل تباين آخر في أروقة الاحتلال، يحاول الربط بين مساعي التهدئة وقضية جنوده الأسرى لدى المقاومة، ضمن سعي الاحتلال إلى مقايضة الحاجيات الإنسانية الأساسية للفلسطينيين بالحريات وحقوقهم الوطنية، ترى المقاومة، وتحديداً حركة حماس، التي تحتفظ بالجنود، أن هذه القضية منفصلة عن غيرها من القضايا، وتشترط إطلاق سراح أسرى خرجوا في صفقة «وفاء الأحرار»، وأعاد الاحتلال اعتقالهم قبل الشروع بصفقة تبادل جديدة. 

تعتقد المقاومة أن إلزام الاحتلال بذلك الشرط يعدّ ورقة ضغط مهمة لمنع الاحتلال من نقض أي اتفاق أو صفقة قادمة، في حين يحاول الاحتلال المراهنة على الزمن، وتململ أو انفجار المجتمع الفلسطيني داخلياً، نتيجة اشتداد الضغط والأزمات بفعل الحصار والعقوبات.

الوقت سيف مشرّع في وجه قطاع غزة، حيث تتدهور الأوضاع يوماً بعد يوم، وتزداد سوءاً، ويزداد التململ الداخلي، مع انقسام الآراء حول التوجه الأمثل لمواجهة الكارثة الإنسانية.

شريحة واسعة تنظر إلى المواجهة الواسعة نظرة المخلص، ويزداد اعتقادها بأن ما يجري من مباحثات مجرد مناورات سياسية لكسب الوقت، والاحتلال يتحضر لتنفيذ ضربة غادرة ضد القطاع، والأجدى هو المبادرة، وإيقاف طاحونة الاستنزاف السلبية.

ويرى آخرون أنه من الضروري التعاطي إيجابياً مع المبادرات القائمة والذهاب معها إلى أبعد حد، دون الرضوخ لعامل الوقت، ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن الأحاديث عن «انفراجات قريبة» وتهدئة لم يتوقف منذ ٣ سنوات تقريباً.

جرى التبشير بحل مرتقب لأوضاع قطاع غزة الإنسانية مرات عديدة خلال السنوات والشهور الماضية، لكن سرعان ما تبخرت البشريات تبخر المياه في سراب الصحراء.

في وجه الخشية من السراب ولمواجهة اشتداد الأزمات والانتهاكات والجرائم الصهيونية المستمرة، يرفع الكثير من القادة الميدانيين في فصائل المقاومة الفلسطينية بالقطاع سيوفهم، ومنهم أشخاص على رأس هرم الأجنحة العسكرية، ينظرون على ما يبدو بعدم ثقة لأحاديث التهدئة.

في الشهور الماضية امتاز السلوك السياسي للفصائل في القطاع بالمرونة، والسلوك الميداني والعسكري بالجرأة والمناورة، واعتماد استراتيجية استنزاف مدروس لمواقع الاحتلال ومستوطنيه وجنوده في محيط قطاع غزة عبر المظاهرات الشعبية، وعمليات إطلاق النار، والقنص، والقصف، والبلالين الحارقة، حاول الاحتلال فرض وقائع ومعادلات ميدانية جديدة في القطاع، تحت غطاء توهم ردعه فصائل المقاومة، وحاول ربط سلاح المقاومة بحل الأزمات الإنسانية، وقد كان غائباً عن حساباته قيام المقاومة بإعادة تفعيل أدواتها واستخدام قوتها وسلاحها، تاركة حالة المراوحة والركون لتشكيل حالة ضغط واستنزاف موازية للاحتلال وجبهته الداخلية.

عاشت غزة فترة عصيبة من اللاحرب واللاهدوء، كانت حربا غير صاخبة خلال السنوات الأخيرة، وكان المطلوب الاستسلام والتخلي عن القوة لحلحلة الأوضاع، ما يعني معادلة الأمن مقابل الغذاء، أما اليوم فالمعادلة التي تعمل المقاومة على ترسيخها؛ هي الهدوء مقابل الحياة الكريمة، فلا هدوء مجاني.

وتتفق تحليلات إسرائيلية، مختلفة، على أن رفض السلطة الفلسطينية الورقةَ المصرية للمصالحة الفلسطينية - الفلسطينية، قد يكون له الأثر الحاسم لجهة اندلاع مواجهة عسكرية بين الاحتلال وبين حركة "حماس" في قطاع غزة، وهو مرشح لأن يتحول إلى عدوان جديد في حال تدهورت الأوضاع الإنسانية في القطاع، أكثر مما هي عليه اليوم، ووجدت "حماس" نفسها وظهرها للحائط. وفيما عاد وفد حركة "فتح" إلى رام الله لإجراء مشاورات، عزز الاحتلال من ضغوطه على غزة، عبر وقف تزويد القطاع بالوقود والغاز، ما يزيد من تفاقم الأوضاع ويزيد من احتمالات ارتفاع ألسنة اللهب في القطاع، دون أن تبدي قيادة السلطة الفلسطينية، أو لعله من الأدق القول قيادة "فتح"، اهتماماً خاصاً بما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في القطاع، ما دامت سلطتها المطلقة عليه غائبة.

ويثير هذا الموقف، الاستغراب على نحو خاص، وإن كانت سياسة السلطة في رام الله، باستمرار تقديس التنسيق الأمني مع الاحتلال، وعدم الرد بشكل حقيقي وفعلي على قانون القومية اليهودي، لم تخرج عن نهجها المتهاون في مواجهة الاحتلال وممارساته. مع ذلك، فإن محاولات المماطلة ووضع عراقيل وشروط تعجيزية لإتمام المصالحة، تثير الاستغراب لأن مثل هذا السلوك والتعامل، وإن كان "يخدم" ولو من وجهة نظر جهات في السلطة مواقف السلطة التفاوضية مقابل "حماس" في الوقت الحالي، فإن من شأنه أن يؤدي إلى كارثة فلسطينية جديدة، في حال شن الاحتلال عدواناً جديداً على القطاع.

رضوان الأخرس

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha