حماس وغزة.. إلى أين من هنا؟

تطورات درامية تشهدها القضية الفلسطينية، وظروف بالغة السوء والتعقيد يعيشها قطاع غزة، وتتأثر بها بشدة حركة حماس التي تحكمه. ولمحاولة استشراف أفق لتجاوز هذه الظروف والاقتراب من تحقيق أهداف الشعب؛ لعله من المفيد الإجابة عن الأسئلة التالية:

ما هو وضع القطاع؟ ولمعرفة ذلك لعله من المفيد أيضا الإجابة عن أسئلة أخرى؛ منها

ما هو تقييم سلوك عباس تجاه غزة: هل وضعها يغريه بمحاولة كسرها أم إن سلوكه يعبّر عن نزق رجل كبر في السن ولم يعد قادرا على تمييز مصلحته أو مصلحة وطنه؟

يبدو أن عباس يدرك نقطة قوته بالنسبة للاحتلال والولايات المتحدة، ويدرك مأزق غزة ولذلك فهو يشدد ضغطه على القطاع ولا مانع لديه من حصول حرب جديدة، على أمل أن تترك القطاع وحركة حماس أضعف وأكثر حاجة إليه، وعلى أمل أيضا إثارة الرأي العام العالمي ضد مسار الإدارة الأميركية والقيادة الإسرائيلية.

ما حدود الاتفاق والاختلاف بين عباس و"إسرائيل"؟ فيمَ يختلفان ومتى يتقاسمان الأدوار في الضغط على غزة؟

من الواضح أن إضعاف حركة حماس وتجريد القطاع من سلاحه يعد هدفا مشتركا لكل من عباس ودولة الاحتلال، إلا أن الطرفين يختلفان بشأن مسار تصفية القضية سياسيا ومحاولة فرض "صفقة القرن"، وهذا يفسر تناوبات الاتفاق والاختلاف بشأن التعامل مع القطاع.

إذ يستفيد كل منهما من حصار القطاع والعقوبات عليه من زاوية إضعاف حماس، إلا أنها يختلفان حينما تقدّر إسرائيل أن الضغوط قد تؤدي إلى اندلاع مواجهة عسكرية في ظروف غير ملائمة لها.

ما حدود تحمّل الشعب الغزي للوضع الاقتصادي والمعيشي؟

يبدو أن كأس التحمل تفيض بالنسبة لأهل القطاع أو توشك على ذلك، وهو ما يدفع كل الأطراف إلى التعامل بحذر وحساسية معه؛ إلا أن الجديد والهام هو أن مزاج الشعب بات يميل إلى تحميل الاحتلال وسلطة عباس المسؤولية الأكبر عما آلت إليه أوضاع القطاع.

خصوصا بعد أن أظهرت حماس استعدادها لتقديم تنازلات كبيرة للتخفف من حِمل السلطة في القطاع، ولم يقابلها عباس إلا بالمزيد من العقوبات والضغوط. والتعبير العملي لهذه القناعة يتمثل في المشاركة الشعبية في مسيرات العودة، والاشتباك مع الاحتلال مباشرة، وتجدد توجيه بوصلة النضال باتجاه العدو والمجرم الحقيقي.

ما حدود تحمّل العسكر -من حماس وغيرها- في غزة لضغوط العدوان الإسرائيلي؟

يصعب التنبؤ بذلك، لأن منطق الانفجار شبيه بمنطق الزلازل: ضغوط تتراكم فترة طويلة وتتحرر بشكل مفاجئ. وفي كل الأحوال؛ يجدر التعامل مع هذا الأمر بحذر على الدوام، إذ إن الإعداد النفسي للمقاتلين قائم على مواجهة النار بالنار، ولا تُفهم تكتيكات المقاومة الشعبية بسهولة.

وهذا ما يفسر عودة المواجهات العسكرية بعد امتناع المقاومة عن الرد العسكري على اعتداءات الاحتلال لأشهر عديدة، ورغم ذلك تم النجاح -حتى الآن- في الفصل بين مساريْ المقاومة الشعبية والرد العسكري على العدوان.

هل حان الوقت لقطف الثمار؟

يبدو واضحا في الوقت الحاضر أن الضغط الذي تشكله مسيرات العودة والبالونات الحارقة غير كافٍ لإلزام الاحتلال بتغيير إستراتيجيته، المتمثلة في حصار غزة لإضعاف حماس ومحاولة تثوير الشارع ضدها، وكل ما صدر عنه من إبداء للرغبة في تخفيف الحصار كان شراءً للوقت على أمل أن تحقق هذه الإستراتيجية أهدافها، ويُتوقع أن ما في جعبة الاحتلال والنظام المصري من خدع –في هذا السياق- لم ينفد بعدُ.

ومن الملاحظ أيضا أن "إسرائيل" والولايات المتحدة ما زالتا تشترطان التعامل مع السلطة -وليس أي طرف آخر- لتخفيف قطاع غزة، وذلك بالتوازي مع غض النظر عن رفض عباس تولي مسؤولية القطاع ووضعه شروطا تعجيزية متصاعدة لتحقيق ذلك.

وهو ما يعني عمليا أن الاحتلال يرفض تخفيف الحصار، وما سوى ذلك من تصريحات وحوارات إقليمية ودولية إما خداع سياسي أو تعبير لمواقف داخلية، لا تعبر عن التوجه النهائي والفعلي لدولة الاحتلال؛ وفي كلتا الحالتين تبقى النتيجة متقاربة.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن الحديث عن آليات جديدة لإدخال البضائع -كاعتماد خط بحري مع قبرص أو ميناء مصري أو جزيرة عائمة لن يغير جوهريا في وضع القطاع، في ظل استمرار سيطرة الاحتلال وعدم سماحه بحرية حركة الأفراد.

إن ظروفا كهذه لا تترك للفلسطينيين إلا مقاومة الاحتلال، والعمل على إفشال مسعى الإدارة الأميركية في تصفية القضية وفرض انتصار الاحتلال؛ كالذي يطرحه علنا تحالف النصر لـ"إسرائيل" في الكونغرس الأميركي.

إلى أين؟ إن حسم الوجهة بشأن ما تريده حماس لنفسها في مستقبل القطاع -القريب على الأقل أمر أساسي في رسم مسار الأحداث، هل هو دولة في غزة أم حركة مقاومة في القطاع وخارجه، إذ إن إحداهما ستكون على حساب الأخرى في غالب الأحوال. ورغم تحقيق نجاحات جزئية في مرحلة سابقة؛ فإن محاولة الجمع بين الحكم والمقاومة وصلت إلى طريق مسدود.

دولة غزة؟ منذ أن تولت حركة حماس السلطة الفعلية في القطاع تداخل مكون الدولة بمكون حركة التحرر، علما بأن مكون السلطة ذو تأثير بالغ؛ إذ إن تولي فئة من الشعب السلطة له تأثيرات على المكانة الاجتماعية والمادية لهذه الفئة، وهو أمر تلقائي الحصول غالبا، وتزداد حدته إذا ما حصل انتقال السلطة في ظل استقطاب سياسي واجتماعي حادّ، كالذي يسود الساحة الفلسطينية غالبا.

ومن غير المتوقع أن تتنازل أي فئة تشكّل "عصبية الحكم" عن موقعها بسهولة، إلا أن خيار الشراكة أسهل قبولا، ولكنه يواجه برفض من عباس وفريقه. وهنا فإن من يريد أن يصل إلى حل يقلل معاناة غزة ينبغي عليه أن يطرح حلولا منطقية تتضمن تطمينا لمختلف الأطراف؛ وليس فرض شروط تبدو وكأنها اتفاقية إذعان عقب خسارة أحد أطرافها الحرب!

وعلى الصعيد النظري؛ فإن إدراك محدودية منافع السلطة تحت الاحتلال وتناقضها مع العمل المقاوم، ينبغي أن يعزز توجه حماس نحو التخفف من مسؤوليات السلطة مع كل تبعات ذلك.

محمد غازي الجمل

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha