تهمة "معاداة السامية" لزجر أي انتقاد لإسرائيل

أعاد الهجوم الذي شنه سياسيون جمهوريون وصهاينة أميركيون على عضو الكونغرس، رشيدة طليب، تسليط الضوء على مفهوم معاداة السامية، والتوظيف القميء الذي تمارسه إسرائيل وحلفاؤها في الولايات المتحدة لهذا المفهوم. بالنسبة لهؤلاء، لم تعد معاداة السامية محصورة في العداء أو التحيز أو التمييز ضد اليهود، من حيث كونهم يهودا، وهي الأمور التي لا ينبغي أن يختلف العقلاء في الموقف منها، فهي مرفوضةٌ مبدئيا وأخلاقيا. المشكلة أن إسرائيل وأنصارها يريدون أن يجعلوا من أي نقد لإسرائيل وسياساتها، أو أي نقد يطاول أفعالا ومواقف لمسؤول من أصول يهودية، فضلا عن أي محاولةٍ لمساءلة مقولاتٍ صهيونيةٍ تأسيسيةٍ لتبرير اغتصاب فلسطين، أو شن عدوانٍ على أهلها والعرب، أموراً كلها مشمولة ضمن تعريف معاداة السامية! بمعنى أن ثمّة مسعى واضح المعالم، لجعل تهمة معاداة السامية سيفا مسلطا على رقاب كل من يعارض إسرائيل والحركة الصهيونية، وبالتالي خنق أي نقاش موضوعي حول إسرائيل وسياساتها وأفعالها كدولة، وحول نشاط أنصارها في الولايات المتحدة كجماعات ضغط سياسي، الأصل أنها تخضع للقوانين الأميركية المنظمة لعمل اللوبيات. 

بدأ الفصل الجديد من هذا المسعى الصهيوني، عندما نشرت طليب، المنتخبة حديثا كأول عضو من أصل فلسطيني في مجلس النواب الأميركي، تغريدة عبر "تويتر" تدين فيها تقديم عضو مجلس الشيوخ الأميركي، السناتور ماركو روبيو، مشروع قانون في المجلس، بعنوان "تعزيز أمن أميركا في الشرق الأوسط"، والمعروف اختصارا باسم (S.1). وينص مشروع القانون، ضمن أمور أخرى، على إلزام أي إدارة أميركية بتقديم مساعداتٍ عسكريةٍ سنوية لإسرائيل بقيمة 3.8 مليارات دولار على الأقل، عشر سنوات، أي ما مجموعه، على الأقل، 38 مليار دولار. بمعنى أنها تذهب إلى أبعد من "مذكرة التفاهم" التي توصلت إليها إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، مع إسرائيل عام 2016، ونصت على تحديد قيمة المعونات العسكرية  بـ38 مليار دولار على مدى عشر سنوات بدءا من عام 2019. كما يحد مشروع القانون من قدرة أي إدارة على قطع تلك المعونات أو تأخير تقديمها، بمعنى الحد من قدرة الولايات المتحدة على التأثير على إسرائيل، وإفقادها ورقة مساومة معها. أيضا، يعطي مشروع القانون السلطات المحلية والولائية الأميركية السلطة القانونية لمعاقبة أي شركاتٍ أميركيةٍ تقاطع إسرائيل، أو تمتنع عن العمل فيها، وهو الأمر الذي قد ينسحب على مواطنين أميركيين يؤيدون مقاطعة إسرائيل، سواء أكانوا يعملون في الوكالات التابعة للولايات أم في تلك الشركات، وذلك كما جرى مع المعلمة الأميركية، بهية عماوي، والتي طردت من مدرستها في ولاية تكساس، والتي كانت قد مررت قانونا مشابها من قبل. 

كان موقف طليب واضحا ومحقا في آن، فهي انتقدت أن يكون أول مشروع قانون يقدم في مجلس الشيوخ هو هذا الذي يضع مصالح دولة أجنبية، هي إسرائيل هنا، فوق مصالح الأميركيين أنفسهم. وكي نضع الأمر في سياقه، فإن مشروع روبيو جاء في خضم الإغلاق الجزئي للحكومة الأميركية، منذ الثاني والعشرين من الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول)، بسبب رفض الرئيس، دونالد ترامب، المصادقة على أي موازنةٍ ما لم تحتوِ على بند لتمويل جدار على الحدود مع المكسيك، وهو ما يرفضه الديمقراطيون. ومن جرّاء ذلك، فإن مصير أكثر من 800 موظف فيدرالي أميركي، ومن ورائهم الملايين ممن يعتمدون عليهم، مهدّد الآن، ذلك أنهم لن يحصلوا على أجورهم ما لم يجد الديمقراطيون والجمهوريون وسيلةً لإقناع ترامب بقبول مساومةٍ من نوع ما. وإذا ما استمر الإغلاق الجزئي للحكومة حتى يوم السبت المقبلة، وهو المرجّح، فإن هذا الإغلاق سيكون مساويا، من حيث المدة، لأطول إغلاقٍ للحكومة في التاريخ الأميركي، والذي دام 21 يوما في نهاية عام 1995 ومطلع عام 1996. بل إن هذا الإغلاق قد يتجاوزه. أيضا، أشارت طليب في انتقادها مشروع القانون إلى أنه يتعدّى على الحق الذي يكفله الدستور الأميركي لأي مواطن، أو هيئة خاصة أميركية، في أن تقاطع أي جهة أخرى في سياق الدفاع عن الحرية والمساواة. وفي سياق تعليقها على تغريدة سابقة للسناتور بيرني ساندرز، انتقد فيها مشروع القانون، بدأت طليب تغريدتها بالقول: "لقد نسوا أي دولةٍ يمثلون"، في إشارة إلى أعضاء مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري الذين يؤيد جميعهم مشروع القانون.

كل هذه الضجة ضد طليب واتهامها بمعاداة السامية يخفيان وراءهما أهدافا أكبر من استهداف طليب نفسها، والتي لا شك أنها، وزميلتها المسلمة الأخرى، إلهان عمر، في دائرة استهداف اليمين الأميركي المتطرّف واللوبي الصهيوني. من ناحية، يريد أنصار إسرائيل في الكونغرس تمرير مشروع قانون تجريم حركة المقاطعة لإسرائيل بأي ثمن، ذلك أن حركة المقاطعة لإسرائيل تكتسب زخما كبيرا حتى بين الكنائس، وفي الجامعات الأميركية، وأمام هذا لم يبق لأنصار إسرائيل لاحتواء انتشارها إلا تجريمها قانونيا. أبعد من ذلك، تغدو تهمة معاداة السامية في هذا السياق مجرد تكتيك زجري لكل من يفكّر في معارضة مثل هذه القوانين التي كانت محاكم فيدرالية أميركية قد قضت، في مرات سابقة، أنها غير دستورية. ومن ناحية أخرى، يريد اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة أن يجعل من تهمة معاداة السامية وسيلة إخضاعٍ وكبت لكل من يفكر في نقد إسرائيل. ولعل في قرار معهد بيرمينغهام للحقوق المدنية في ولاية ألباما، قبل أيام، التراجع عن قراره بتكريم الناشطة الحقوقية الأميركية البارزة، أنجيلا ديفيس، بسبب تأييدها حركة المقاطعة لإسرائيل، ما يدل على ذلك، حيث تمّ اتهامها بمعاداة السامية من أنصار إسرائيل. وقبل ذلك، أنهت قناة "سي أن أن" عقد أستاذ الإعلام في جامعة تيمبل، مارك لمانت هيل، معلقا عندها بسبب دعوته إلى تحرير فلسطين. أيضا، كانت التهمة الجاهزة هي معاداة السامية. الأدهى أن الكونغرس، وبدعم من أعضاء في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يتداول الآن مشروع قانونٍ آخر يجعل من نقد إسرائيل في الأنشطة الطالبية في الجامعات سببا كافيا للتحقيق في شبهة وجود معاداة السامية.

أسامة أبو ارشيد

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha