عندما تحاصر حماس نفسها

لو قيل لبشار الأسد، قبل بداية الربيع العربي، إن نظامه سيستخدم البراميل المتفجرة، أو ربما الأسلحة الكيميائية ضد شعبه، ذات يوم، لاعتبر ذلك ضربا من الجنون، ولكن تلك هي طبيعة الصراعات الأهلية والدولية، تمتلك قرار البدء فيها، ولكن التحكم في تطورها أو إنهاءها متروك للغير. ثم ما يعتبر من المحرّمات اليوم سيصبح من الضرورات غداً. وفي ذلك قال ملك إنكلترا، هنري الثامن، "أن تبدأ حرباً فإن ذلك لا يحتاج إلى استشارة، أما أن تنهيها بكرامة، فإن ذلك يحتاج دراسة". لا يبدو أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تدرك خطورة ما تقوم به من قمع للحراك الشعبي في غزة، أو ما أصبح يعرف حراك "بدنا نعيش"، وذلك كما يظهر من الطريقة التي تعاملت بها مع مطالب أقل ما يقال فيها إنها شرعية لشعبٍ تقاسم مع الحركة سنواتٍ من الضيم والحصار ومرارة العيش. ولكن يبدو أن مشكلة "حماس" الكبرى تكمن بالتحديد في الخلط في مفهوم الشرعيات، والتي إن لم تتدارك ذلك فوراً، وتعمل على تصويب مسارها، فإنها بذلك تكون قد حاصرت ذاتها، ومضت في طريق الهلاك السياسي. 

هناك مصدران رئيسيان لشرعية الحكم اليوم. داخلي نابع من العقد الاجتماعي بين السلطة والمجتمع، كما الحال في أوروبا والأنظمة السياسية الأخرى المنتخبة ديمقراطياً، وخارجي كما الحال في الدكتاتوريات العربية، أو الأنظمة الاستبدادية الأخرى التي تعتمد على اعتراف قوى المركز في النظام الدولي بها، ومساندتها وحمايتها لها، لتوطيد أواصر حكمها، وعندها لن تهتم كثيراً بما يفكر بها شعبها. تعلم حركة حماس جيداً أنها محاصرة من قوى المركز، فهي لم تحدث اختراقاً ملموساً على الساحة الخارجية، فحتى أوروبا التي يُفترض أنها الأكثر توازناً من الولايات المتحدة، فقد صوتت معظمها على مشروع قرار يدين "حماس" في الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر/ كانون الثاني الماضي. هذا يعني أنه لم يعد هناك للحركة إلا الحاضنة الشعبية، وتحديداً في قطاع غزة المحاصر، لاكتساب شرعيتها. هذا هو رصيدها، وهذا من يبقيها على قيد الحياة السياسية. وبدون ذلك، تتحول أي حركة سياسية بدون شرعية إلى حركة مارقة سياسياً. 

الطريقة التي تعاملت بها "حماس" مع حراك "بدنا نعيش" تفضي، بالضرورة، ومع مرور 

"طريقة تعامل "حماس" مع حراك "بدنا نعيش" تفضي، إذا استمرت بها، إلى نزع شرعيتها الداخلية" الوقت، إذا استمرت، إلى نزع شرعيتها الداخلية. الفصائل السياسية، على اختلاف أيديولوجياتها، وكذلك المستقلون، في مختلف أماكن وجودهم، دانوا وبأشد العبارات ما تعرّض له أبناء القطاع المحاصر من قمع على أيدي قوات الحركة، سيما ما تعرّض له الناطق باسم حركة فتح في القطاع، الكاتب والروائي، الدكتور عاطف أبو سيف، على أيادي "مجهولين"، حيث تبقى الحركة هي المسؤولة عن هذا الحادث، بغض النظر عمن نفذه، كونها المسؤولة عن الأمن، وأثبتت فاعليتها، في مناسباتٍ عديدة، بقدرتها على كشف الجناة، ومن أي مكان جاؤوا. على حركة حماس أن تعي جيداً أن للانزلاق في طريق القمع بداية، وفي يدها. أما ما بعد ذلك فتحدده عوامل الصراع الأخرى الخارجة عن سيطرة الحركة وإرادتها، فنظام "المقاومة" في دمشق بدأ بقمع تظاهرة في درعا، وانتهى، بعد فترة وجيزة، بالبراميل المتفجرة وما أشنع من ذلك. 

تغامر حركة حماس بشرعيتها الداخلية عند قمعها "حراك الجياع" في غزة، ولن يشفع لها سجلها، والحروب السابقة التي خاضتها مع الكيان المحتل، ولها في حزب الله عبرة، فما أشبه حزب الله 2006 والتصدي للغطرسة الإسرائيلية وحزب الله القصير وداريا ومضايا والقائمة تطول... طبيعة الصراعات أنها تطور وتحمي ذاتها. وبدون شك، لم يكن حزب الله يتمنّى أن يجد نفسه محارباً في مضايا والقصير. تشهد تجارب الشعوب الأخرى، هي الأخرى، بأن ذاكرة الشعوب قصيرة، ولن يفيد طرفاً أن يبقى يتغذّى على ماضيه، على حساب حاضره ومستقبله، والتغيرات في المعادلة الدولية تدخلها في تحالفاتٍ جديدة، تجعل من أخوة الدم في الأمس أعداءً اليوم، فقد انقلب تحالف الفلاحين على زعيم جبهة ساندينستا في نيكاراغوا، المناضل الأممي دانييل أورتيغا، الذي كان حليفهم ضد قوات الكونترا وعائلة سوموزا المدعومة أميركا، وتحالفوا مع عملاء أميركا، ما أدخل البلاد في حرب أهلية شرسة، انتهت بتوقيع اتفاق سلام، أعقبته انتخابات، سقط فيها أورتيغا، واستلمت البلاد حليفة واشنطن، فيوليتا تشامورو. 

لا تحتاج حركة حماس، لفهم معادلة الشرعيات وسياسة إدارة السلطة، إلى الذهاب لنيكاراغوا، أو حتى لحزب الله في لبنان، فلها في جماعة الإخوان المسلمين التي كانت جزءًا من أيديولوجيتها يوما ما دروس كثيرة، حيث تقدم لها الجماعة نموذجين صارخين للحكم. النموذج المصري، حيث تجربة "الإخوان" هناك من تفرد في الحكم وإقصاء وانعدام الخبرة في إدارة الجهاز البيرقراطي للدولة، وفي المقابل هناك نموذج حركة النهضة التونسية، وما يمثله من شراكة سياسية وانفتاح على القوى الأخرى، والأهم من ذلك كله أنها أول من طبق مبدأ التداول السلمي للسلطة. لقد أدى فشل النموذج الإخواني المصري إلى نتائج كارثية على الجماعة، وعلى مصر، وحتى على حركة حماس نفسها، إذ يُعزى جزءٌ مما تعيشه الحركة اليوم من حصار إلى فشل التجربة الإخوانية هناك في مصر. بينما سلمت حركة النهضة، وسلمت تجربة التحول السياسي في تونس، نتيجة الطريقة التي أدارت بها الحركة الأزمات السياسية التي مرّت بها البلاد. 

للأسف، يبدو أن حركة حماس قد استنسخت التجربة الإخوانية المصرية، لأسبابٍ يصعب 

"يُعزى جزءٌ مما تعيشه حركة حماس اليوم من حصار إلى فشل التجربة الإخوانية هناك في مصر" الخوض فيها في هذه المقالة. على حركة حماس أن تتعلم من تجربة "النهضة" التونسية دروسا كثيرة، وتحديداً، نعم، التداول السلمي للسلطة، فقد آن الأوان أن تعترف الحركة بأن الجمع ما بين السلطة والمقاومة غير ممكن، وعدا ذلك سيفسد كلٌّ منهما الآخر، بالضرورة. لا يوجد هناك مبرّر لحركة حماس للتشبث بالحكم في غزة. هي تعلم أنها لن تستطيع أن تقوم بأعباء الحكم في قطاعٍ محاصر، فلا داعي أن تضع نفسها في وجه مطالب، تعرف هي، أكثر من غيرها، أنها شرعية. فلسطين اليوم أحوج ما تكون إلى التداول السلمي، سواء من "حماس" أو من نظيرتها حركة فتح، والانتخابات كفيلة بذلك. ترتكب حركة حماس جريمة بحق ذاتها، وبحق فلسطين، القضية والتاريخ والعدالة، إن استمرت بقمع المحتجين، فأقل ما يمكن لها أن تفعله، سيما في ظل قصورها عن تأمين الاحتياجات الأساسية للشعب الذي تحكمه، هو توفير المكان والحماية اللازمة لحاضنتها الشعبية، لتقول كلمتها.

إبراهيم فريحات

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha