انكماش يخلفه توسع وانتشار

عندما يغرق الشعب الفلسطيني في تفاصيل الحياة بحثا عن لقمة العيش بالكاد يجدها بينما فلسطين كانت تستقبل آلاف من العمالة الوافدة من الوطن العربي والخليج في عشرينيات القرن الماضي وتضخ خبرات وعقول مبدعة في حقل التعليم والتطوير ندرك اأن ذلك ليس عفوياً إنما مبرمج يهدف لتدويخ الشعب الفلسطيني وتتويهه، فلا يبقى لديه وقت للتفكير خارج سياج حماية الذات والحفاظ على البقاء حياً، بينما فلسطين تُسلب وتُنهب من شمالها في رأس الناقورة حتى جنوبها في أم الرشراش.

استراتيجية الإغراق بالهموم والمشاكل تحتاج في غمرة الأحداث للتذكير وتنشيط الذاكرة في أحداث ومحطات ليست بعيدة، لكن سرقة كل عمر أرباب العائلات بدقائقه وثوانيه يجعل التفكير منصباً على فك شيفرة لقمة العيش الكريم، فيصبح البحث عن رغيف الخبز يدفع أناساً للدوران حول حاجاتهم بحثاً عنها فيُذهب أوقاتهم ويُغفلهم عن قضاياهم ويجعلهم يدورون حول أشخاص يوفرونها لهم، فينتزعون ولاءهم ويُخضعونهم لرؤاهم، بينما القليل من يدور حول الأفكار ويجد من الوقت ما يسعفه للالتصاق بالقضايا الكبيرة والهموم العامة.

نهاية انتفاضة الحجارة وعشية انتفاضة الأقصى زلزل الفلسطينيون الصهاينة بعملياتهم وكفاحهم، فأجبروهم على التقهقر والانكماش بشكل متواصل من خلال بناء الجدر والعوائق في داخل فلسطين وحول المستوطنات ومحيط المعسكرات، بينما بُنيت العقيدة العسكرية والأمنية على التوسع وقضم الأرض العربية والفلسطينية في حرب استباقية في الستينات والسبعينات ومطلع الثمانينات من المئة الفائتة.

هذا التغيير قُهر على تنفيذه المحتل، وفي خضم انتفاضة الأقصى وموجات الاستشهاديين وإنزالات المغاوير وكمائن وهاونات وصواريخ المقاتلين انكمشت ديموغرافياً، إلى جانب الانكماش الأول عسكرياً وأمنياً.

هذا التغيير حُفر أخاديد في عقل شارون، وكُتب بالدم حقائق وجُسد في الواقع انسحاب.

وتتوقف انتفاضة الأقصى ويأتي التنسيق والتدجين وبناء الآمال على الوسطاء الأمريكيين والمانحين الأوروبيين على قاعدة أننا ضعفاء نطالبكم في تنفيذ مقرراتكم الصادرة عنكم في الأمم المتحدة ومجلس الأمن بعد ذم وتسفيه للنضال وتعبيثه وعدم التعويل عليه واعتباره يشكل مأساة للشعب الفلسطيني تستنزفه وترهقه وتبدد قواه وطاقاته وتحرمه من تجسيد آماله، فأين نحن من الوعود والآمال التي بُنيت وبُني لها إنسان فلسطيني جديد محاور سياسي يملك أدوات الدمقرطة ويملك حقوقاً مدنية وإنسانية.

إلى أين وصلت الأمور ؟

أين كنا وأين أصبحنا؟

انكماش أمني وعسكري يتبعه انكماش ديموغرافي لم يتوقف إلا بعد أن توقف الضغط على أعصاب المحتل من خلال الكفاح والعمل المسلح وينساب الاستيطان في كل حدب وصوب في الضفة، وتُحاصر غزة وتُهوَّد القدس.

بوش الابن يطالب شارون بالانسحاب، ترمب يستجيب لنتنياهو بنقل السفارة الامريكية للقدس واعتبارها عاصمة للاحتلال وضم الجولان والتفكير بضم اجزاء كبيرة من الضفة

حتى لا تنسى الأجيال لا بد من تنشيط الذاكرة، واستحضار مآثر المقاومة وإنجازاتها والمفاوضات وإخفاقاتها حتى يكون الشعب على بينة من أمره يوقن أن الاحتلال لا يخضع إلا بالقوة على قاعدة لا يفل الحديد إلا الحديد، وما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، ولا يحدث في ملك الله إلا ما أراد الله.

محمود مرداوي

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha