خطة تدفيع العرب ثمن التصفية

تؤدّي التسريبات التي تظهر هنا وهناك عن خطة دونالد ترامب المعروفة بـ"صفقة القرن" وظيفة سياسية، وهي تهيئة الأجواء والنفوس لقبول الخطة أو التعامل الإيجابي معها، أو تركها تمضي في حد أدنى. وهذا هو المطلوب بدرجة أساسية من الحركة الوطنية الفلسطينية، وبدرجة ثانية من عتاة اليمين الصهيوني. وبدرجة ثالثة من الرأي العام العربي، وخصوصا في الأردن ومصر الموعودتين بدعم مالي سخي، ومن الرأي العام الخليجي، حيث مطلوبٌ من دول خليجية، في مقدمها السعودية، تمويل الخطة بنسبةٍ لا تقل عن 60% من جملة الأموال المستهدف جمعها، لتمويل مشاريع اقتصادية، وشق طرق، وإقامة مدن صناعية، والقبول بتبادل أراض. وحسب الخطة، ليس مطلوبا من إسرائيل، القائمة بالاحتلال والتشريد وسلب الأراضي الشاسعة، أية تقديماتٍ ماليةٍ، تتناسب مع السطو على الأراضي، وتدمير دورة الحياة الاقتصادية، وهدم المنشآت والبيوت وجرف الأراضي، وفرض الغرامات الباهظة، والاستيلاء على أموال المقاصة الجمركية، والتضييق على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وسوى ذلك من إجراءات ترمي إلى تضييق الحياة على الرازحين تحت الاحتلال، كي تقتصر انشغالاتهم على تأمين لقمة العيش لعائلاتهم. 

يعرّف المهتمون الخطوط العريضة للخطة التي تنشئ حلا إقليميا بدعم دولي (أوروبي وأميركي). والغرض من ذلك تشبيك دول المنطقة بإرساء مصالح كبيرة متبادلة ما بينها، والتقليل إلى أدنى حد ممكن من مفاعيل الرفض الفلسطيني، إذا استمر هذا الرفض على حاله. وبحسب تسريبات غير مؤكدة، ونفاها جيسون غرينبلات قبل يومين، تتحدث خطوط عامة في الخطة عن أموال مفترضة لمصر لا تقل عن 60 مليار دولار في مقابل التخلي عن مناطق حدودية متاخمة لغزة، تعوّض بأراضٍ من النقب (جنوب فلسطين)، ومقابل تأجير أراضٍ  فترات طويلة، لإقامة مشاريع اقتصادية، يشارك فيها المصريون. وسيكون بداهةً منتظرا من مصر تهيئة الرأي العام للخطة، وتزيين محاسنها في فك أزمة الاقتصاد المصري المستعصية، والتهيئة لضغط لا بد أن يكون مطلوبا من مصر على حركة حماس، كي تسلّم سلاحها، وتتجاوب مع الخطة، أو تركها تمر. أما الأردن فموعودٌ بأموالٍ لا تقل عن 40 مليار دولار، مقابل إنهاء وضع المخيمات الفلسطينية، وتصفية وكالة الغوث، والقبول بالتصورات الأميركية للقدس عاصمة للاحتلال، مع مشاركةٍ أردنية فلسطينية في إدارة الأماكن المقدسة، مع تعديلاتٍ على الحدود الأردنية مع فلسطين ومع السعودية. وتوفر الخطة للبنان دعما اقتصاديا ما، ولكن مع حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بنقل نسبةٍ كبيرةٍ أو النسبة الأكبر منهم إلى دول أخرى (بعد التفاهم مع هذه الدول). وهذه بالمناسبة مطالب ترفعها غالبية الأحزاب والتيارات اللبنانية الطائفية. وربما تتقدّم هذه التيارات بطلب وضع ملحق لصفقة القرن، يشتمل على حل مشكلة اللجوء السوري، بحيث يقبض لبنان الرسمي (والطائفي بنسبة كبيرة) ثمن عنصريته تجاه هؤلاء اللاجئين. 

وتشمل التسريبات غير المؤكد للخطة، منح تعويضات للاجئين الفلسطينيين الذين تقدّر إدارة ترامب عددهم بما بين ثلاثين ألفا وستة آلاف لاجئ. والمقصود مَن ما زالوا على قيد الحياة ممن تشرّدوا من ديارهم في فلسطين في العام 1948، مع نزع صفة اللجوء عن الأبناء والأحفاد. ومع العمل على توطينهم في مناطق "فلسطين الجديدة"، وهو الاسم الذي اختارته الخطة لطمس مُسمّى فلسطين القائم بذاته، والذي يدل على فلسطين الانتدابية والتاريخية من البحر (المتوسط) إلى النهر (الأردن)... وتومئ تسمية فلسطين الجديدة إلى أن تلك القديمة قد اندثرت واضمحلت، وأن "دار ابن لقمان" لم تعد على حالها. ومن شأن الخطة، حسب واضعيها، تحسين حياة الفلسطينيين، ومنحهم فرص عمل واسعة، وتحقيق إنعاش اقتصادي في مصر والأردن، مع التربيط مع الدولة العبرية في شق طرق وبناء وشبكات نقل ومدن صناعية وتنشيط السياحة. 

ما زالت الاعتراضات القوية تنحصر في الجانبين الفلسطيني والأردني. وسوف يثير موضوع التقديمات المالية قدرا كببيرا من البلبلة (المطلوبة أميركيا وإسرائيليا)، نظرا إلى الاختناق الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتأزم الاقتصادي في الأردن، إذ تبدو الأموال المفترض عرضها تضاهي حجم الديون الأردنية تقريبا. هذا إذا وافق الممولون على تخصيصها حسب الخطة. وسوف تكون هناك فرصة متاحة لاقتصاديين ورجال أعمال وأكاديميين مثلا للقول إن العلاقات قائمة ومقننة بين عمان وتل أبيب وفق معاهدة السلام، وكما هي بين القاهرة وتل أبيب، والمطلوب في الخطة هو ضخ أموال وتوسيع التعاون الاقتصادي، بما يسمح   بامتصاص نسبة ملموسة من البطالة. وهنا يتم القفز عن الثمن السياسي الفادح الذي يعظم من وجود الدولة العبرية، ويشرعن الاحتلال، ويعبث بالنسيج الاجتماعي. أما في مصر، فقد يتطوع بعضهم لتصوير أن الأمر يتعلق بتبادل أراضٍ صحراوية، وتأجير أراضٍ أخرى، مع فتح الباب لفك الاستعصاء عن الاقتصاد المصري. وبالقفز عن أن الخطة تقوم، في الأساس، على الالتزام بمصالح الاحتلال، وعن كونها لا تقوم وفق تفاهم مصري فلسطيني. 

يأمل واضعو الخطة شق صفوف الرأي العام العربي، ودفع دول عربية إلى توجيه ضغوط شرسة على الفلسطينيين والأردن، بالتزامن ربما مع وضع خطة إعلامية كوكبية، تبين محاسن الخطة في إحلال سلام نهائي مزعوم في الشرق الأوسط، وتدعو إلى أكبر دعم دولي لها، من أجل طي صفحة الحرب والتوتر، وفتح الباب أمام التنشيط الاقتصادي واسع النطاق الذي يجذب شركاتٍ عديدة من دول العالم. وبالطبع القضاء على الإرهاب، والتفرغ لمواجهة إيران، والضغط على حلفائها وشركائها. 

ومن بين أبرز الخيارات الرسمية لمواجهتها الدعوة إلى تأجيل إعلان الخطة، سعيا إلى مزيد من المشاورات، يشارك فيها أطراف دولية رئيسية، كالصين وبريطانيا وروسيا وفرنسا، وأطراف إقليمية وعربية، كتركيا وتونس والمغرب والكويت وسلطنة عمان، من أجل تفحص خطوطها العامة، وضمان فرصة لنجاحها بجعلها أكثر واقعية وأقل انحيازا لدولة الاحتلال، وأكثر إنصافا وتلبية لحقوق الفلسطينيين، خلافا للأجواء المخيمة الرافضة للخطة، وللتوقعات بأن يتم قتل المريض، والادعاء، في الوقت نفسه، بأن العملية قد نجحت.

محمود الريماوي

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha