لحرب المحتملة في الخليج.. وموقع المقاومة الفلسطينية منها

في الخامس عشر من أيار/ مايو الماضي، أمهلت إيران الدول الأوروبية المنخرطة في الاتفاق النووي معها مهلة 60 يوما لإثبات التزامها بالاتفاق، وإلا فإنّ إيران ستنسحب بدورها من الاتفاق. جاء التهديد الإيراني مباشرة بعدما ألغت إدارة ترامب الإعفاءات التي منحتها لبعض الدول؛ وسمحت لها بموجبها باستيراد النفط الإيراني دون التعرض للعقوبات الأمريكية، فما إن دخل أيار/ مايو حتى دخلت معه إيران في مرحلة اختناق اقتصادي، تفرضها الولايات المتحدة خارج القانون الدولي، وتخضع لها دول العالم بمحض "البلطجة" الأمريكية.

قبل المهلة الإيرانية وبعدها، شهدت منطقة الخليج تطورات أمكن وصفها بالمناورة على حافة الحرب، وهو الوصف الذي استخدمه قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال حسين سلامي، بقوله: "إنّ إيران تقف على حافة نزاع واسع مع العدو".

أخذت هذه المناورة شكل التصعيد العسكري العملياتي في ساحة الخليج، فقد استُهدفت مصالح حلفاء الولايات المتحدة في الخليج نفسه وفي دوله، عبر أدوات عسكرية خفية أو عبر حلفاء إيران كجماعة "أنصار الله/ الحوثي" اليمنية، وأخيرا أسقطت إيران طائرة تجسس متقدمة للولايات المتحدة.

أبدت الولايات المتحدة، في عدّة مرات، تردّدا عسكريّا إزاء ذلك، وقد سبق لها وتراجعت عن إرسال 120 ألف جندي إلى الخليج، ثم تراجعت عن توجه ضربة لإيران بعد إسقاط الطائرة الأمريكية، واستعاضت عن ذلك بفرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران، وبيع أسلحة جديدة لكل من الإمارات والسعودية، متجاوزة القيود التي وضعها المشرّعون الأمريكيون على تصدير الأسلحة للسعودية بعد قضية خاشقجي، وفي مسار آخر أرسلت الولايات المتحدة الوسطاء وسعت لإعادة التفاوض على الملف النووي، مع إيجاد نقطة مشتركة مؤقتة، وهي السماح لإيران بالتصدير عبر الموانئ الروسية.

وبينما تراهن الولايات المتحدة على الوقت، والخنق الاقتصادي المتعاظم، لإجبار إيران على إبرام اتفاق جديد يدعم ترامب في حملته الانتخابية القادمة، لا يبدو الوقت في صالح إيران. وبالرغم من أن الأخيرة، كما الولايات المتحدة لا تريد الحرب، وتراهن بدورها على تعقيد الظرف الأمريكي الداخلي الذي قد يعوق الحرب التي يتحمس لها بعض عناصر إدارة ترامب، فإنّها لا تجد بديلا عن التصعيد المستمرّ في ساحة الخليج.

تسعى إيران من تصعيدها إلى إرخاء القبضة الأمريكية بتخويف الولايات المتحدة من تداعيات هذا التصعيد في ساحة الخليج، ولدفع الدول الأوروبية لاستئناف الالتزام بالاتفاق النووي وكسر خضوعها للهيمنة الأمريكية فيما يتعلق بالحصار الاقتصادي على إيران، وهو أمر لا يحتمل أن تُظهر إيران معه أيّ ضعف أو تراجع أمام الحصار الأمريكي أو دعوات التفاوض الأمريكية، ولذلك لم تنجح زيارة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في جلب الإيرانيين للتفاوض مع الأمريكان.

لا ترغب الولايات المتحدة في الدخول في حرب مع إيران، لكن إدارة ترامب تتمسك بالعقوبات الحالية عليها، وبالنظر إلى عدم قدرة ترامب على التراجع عن هذه العقوبات لا سيما وهو يحرص على أيّ ورقة تعزّز موقعه الانتخابي، فإنّ التصعيد الإيراني سوف يستمر، وقد يتفاقم ويأخذ أشكالا أكثر خشونة كلما ضاق الوقت على الإيرانيين، وهو ما قد يجرّ الأمريكان إلى استنزاف بطيء قد يتطوّر إلى حرب إقليمية واسعة. وفي حال انتهت المهلة الإيرانية دون أن تَعزل إيران الأوربيين عن الموقف الأمريكي، ونفّذت تهديدها وانسحبت من الاتفاق النووي، فإن ذلك سيفضي إلى انحياز أوروبي نهائيّ إلى جانب الولايات المتحدة، ومن جانب آخر سيفضي إلى تعزيز احتمالية الدخول في الحرب التي لا يريدها أحد.

هذه الحرب محتملة بالنظر إلى التصعيد في الخليج، فكيف لو أخذت بعين الاعتبار بقية العوامل التي تدلّل على ما يمور به العالم من اضطراب وفوضى، كالأزمات الاقتصادية الجديدة، واستحكام الغموض الإستراتيجي في العالم، وتراجع الوحدة الأوربية واحتمالات تفكّكها، وصراع التسلّح المتنامي بالخروج من اتفاقيات التسلّح وظهور أسلحة جديدة ذات قدرات هائلة، وتزايد الانقسام الداخلي في الولايات المتحدة على مستوى المجتمع والنخبة!

وسبق القول إنّ هذه الحرب محتملة، لا حتمية، ولكن صانع القرار يستعد لما هو أسوأ، وإذا كان الحديث عن صانع القرار في المقاومة الفلسطينية، فإنّ عليه أن يلاحظ جملة أمور؛ أوّلها أنّ الحرب على إيران، سواء اتخذت شكل الحصار الاقتصادي أم تحوّلت إلى حرب مسلّحة، فإنّها غير منفصلة عن مخططات تصفية القضية الفلسطينية، وترتيب المنطقة وفق رؤية اليمين الإسرائيلي التي تتبناها إدارة ترامب.من نافلة القول إنّ أعداء إيران في هذا الوقت من حلفاء الولايات المتحدة هم قاطرة التطبيع مع "إسرائيل، وعرّابو ما يُسمى بـ"صفقة القرن"، وما "ورشة البحرين" عن ذلك ببعيدة، والخلاصة أن الرياح التي تستهدف إيران؛ تستهدف الفلسطينيين أيضا، بصرف النظر عن الرغبات، وهذه الرياح تضع المقاومة الفلسطينية وإيران في قارب واحد.

الأمر الآخر، أن "إسرائيل" تُصنف المقاومة الفلسطينية حليفة لإيران، ولأنّ إيران، غالبا، سوف تُدخل "إسرائيل" في هذه الحرب، بقصفها من الشرق، أو بقصفها من الشمال بواسطة حزب الله، فإنّ ساحة قطاع غزّة لن تكون بعيدة عن المواجهة، حتّى لو قررت المقاومة فيها مجتمعة تجنّب هذه الحرب.

بالتالي وبناء على التصنيف الإسرائيلي للمقاومة الفلسطينية بصفتها حليفا لإيران، واغتناما للفرصة، ولعدم قدرة "إسرائيل" على تحمّل هذا الألم في خاصرتها الجنوبية، سوف تسعى "إسرائيل"، لحسم المعركة مع المقاومة في غزّة، ولن تكون الحرب، في حال لو قامت، كما سابقاتها، لا من حيث الأسلحة، ولا من حيث قوّة النيران، ولا من حيث عدد الضحايا، وهنا ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار أنّ ساحة غزّة لا تتفرّد حماس بإدارة المقاومة فيها، ومن ثم فالاستعداد الذاتي لخيار الحرب، خير من الاضطرار للانجرار إلى حرب لم يُستعدّ لها.

هنا على حماس أن تطرح على نفسها مجموعة من الأسئلة تناقشها ورش العمل والأجهزة المختصة؛ فطالما أنّ استهداف قطاع غزّة احتمال قائم بقوّة؛ في حال قامت الحرب فعلا، فكيف ستدخل المقاومة الحرب، ابتداء من التنسيق بين قوى المقاومة نفسها داخل القطاع، أو بين القوى المستهدفة من الولايات المتحدة وحلفائها في هذا الوقت، كإيران وحزب الله.

هذه، بالتأكيد، ليست دعوة للحرب، ولا تأكيدا على وقوعها بالضرورة، ولكنها دعوة لتوقع السيناريو الأسوأ، والاستعداد له، ومحاولة مسبقة، لتحويل الحرب، لو وقعت، إلى فرصة في صالح التخلص من الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية وفتح ثغرة في المظلّة الحامية لـ"إسرائيل".

ساري عرابي

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha