"عَرب إسرائيل" الذين هم كذلك

"عَرب إسرائيل" الذين هم كذلك

تُصطلح على سكّان دولة إسرائيل الأصليين من العرب الفلسطينيين تسمية "عرب إسرائيل"؛ ويسمّون أيضا "عرب الداخل" أو "عرب 48"، وفي كلّ التسميات، عدا المرتبطَة بالأصلانية، خللٌ. وهم ببساطة الفلسطينيون الذّين بقوا في أرض فلسطين عَقب قيام دولَة الاحتلال، وهم فيها مواطنون من دون دولَة، وخارج الأمة المواطنية الإسرائيلية التّي هي، وإن تظاهرت إسرائيل بغير ذلك، أمّة يهوديَة. لكنّ التاريخ يُثبت لنا أنّ "عرب إسرائيل" ليسوا ساكنيها الأصليين، وإنّما أناسٌ يقعون خارج جغرافيتها، ينظّرون من مجالسهم وأبراجهم العاليَة عن السلام مع إسرائيل، بمنطقِ لوم الضحيّة؛ كأن يقول أحدهم، من دون أن يفتح كتاب تاريخ طوال حياتهِ، إنّ "الفلسطينيين باعوا أرضهم"، وأنّ القضية (منطُوقة بالكاف تهكّمًا على لهجةِ أهل فلسطين)، سبب تأخّر الأمّة العربيَة.

ننسب عبارة "عرب إسرائيل" في وصفِ معسكر التطبيع من العرب مع إسرائيل إلى المفكّر عزمي بشارَة، في محاضرته عن صفقة "ترامب - نتنياهو" في 3 فبراير/ شباط 2020 في الدوحَة. ولا نجد عبارةً أكثر بلاغة منها في وصف واقعنَا، ولجوء أنظمَة عربية إلى خيار التطبيع الكامل مع إسرائيل. والإمارات لم تفاجئ العالم بخطوتها لجعل علاقتها مع إسرائيل طبيعية؛ أي تبادل سفارات وقنصليات عامّة وفتح خطوط بحرية وجوّيَة، وغير ذلك من أشكال العلاقات بين الدوّل، في إطار اتفاقيتي فيينا للعلاقات الدبلوماسيَة والقنصليَة. غاب عنصر المفاجأة لأنّ متابع السياسَة الخارجية الإماراتية يعرف نظرة الإمارات إلى نفسها والإقليم وإسرائيل، وموقفهَا من القضية الفلسطينية والمقاومَة، ومن الفلسطينيين أفرادا حتّى.

تُطبّع الإمارات علاقاتهَا مع إسرائيل تأسيسًا على قراءة زائفَة للقضيّة الفلسطينية. يقرأ صنّاع القرار فيها تحرّر الشعب الفلسطيني باعتباره عامِل جذبٍ نحو التخلّف، بل يرونه سلوكًا إرهابيًا، تقوده جماعات إرهابيَة. لا تكتمل صورة الإمارات المسالمة والمتطوّرة، والتّي قفزَت تنمويًا على الإقليم (عمرانيًا فقط ربّما)، إلّا إذا عقدت السلام مع إسرائيل، وكأن الدولة ستفقِد بريقهَا إن وقفت في موقفٍ مناهضٍ للاستعمار، ووقفت في صفّ خيارِ التحرّر. وليس من "التجنّي" في شيء، القول إنّ دوائر صنع القرار في الإمارات يتشبّهون بإسرائيل، ويتقمّصون مخاوفها، ويشاركونها خريطَة أعدائهَا مجانًا ومجاملةً، وتسريبات بعض المسؤولين الإماراتيين تكشف، إلى حدّ بعيد، نظرتهم المتعالية والمشبّعة بمشاعِر "الضحيّة المحسودة" للإقليم، وحتّى لجيرانهم من الخليجيين.

لنضع "خطاب السلام" جانبًا، فما تصنعه الإمارات في ليبيا واليمن وغيرهما يجعل المتتبع قادرًا على التمييز بين المسالمِين وغيرهم؛ هذا تطبيع استراتيجي ينبع من قراءة الإمارات للإقليم، ويُبين عن مخاوفها التي ليس لها أساس من الصحّة. يخشى ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، من الديمقراطية في دولةٍ لا تقوم فيها مطالب ديمقراطية فعلية، وليس فيها أيّ مظاهر للتعدّد، أو المحاسبة الشعبية للسياسات الحكومية؛ تتحكّم العائلات الحاكمة في السلطَة تمامًا، من دون أي مطالب تذكر لحكمٍ وراثيّ دستورِي. ويخشى كذلك من مغبّة وصول إسلاميين إلى السلطة، في بلدٍ ليس فيهِ موقف ديني خارج إملاءات السلطَة، وليس فيه أي نضالي إسلاموي سياسيّ، بعدما شّنت الدولة حملة اجتثاثٍ على "الإسلاميين"، امتزج فيها الشكّ باليقين، واختلط فيها العقاب المؤسسي المنظّم بالمشاعر الشخصية والأحكام المسبَقَة.

يعرف الإسرائيليون أنّهم دولة احتلال، وسلطة أمر واقع، وكيان منبوذ تمّ غرسه في الجغرافيا العربيَة، معزول بفعل المشاعر الشعبية العربيَة، حتّى في الدول التّي تربطها بها علاقات دبلوماسية طبيعية، وخشيَة إسرائيل من وصول إسلاميين إلى الحُكم مبنيَة على قراءة دينية للصراع، وعلى قدرة الإسلاميين على الحشدِ ضدّ إسرائيل. أمّا مخاوف صنّاع القرار في الإمارات (خصوصا إمارة أبوظبي)، فهي مبنية على الرغبة في تموضع استراتيجي قويّ في الإقليم وفي العالم، وعلى منطق تشديد القبضة على الداخِل عبر إيجاد عداءٍ للإسلاميين لا يشاهدهم سكّان الإمارات في واقعِهم اليومِي؛ هم موجودون في خيال "المتخوّف منهم" فقط. 

تلاقت وجهتا النظر، الإماراتية والإسرائيلية، بشأن المنطقة في سياق ثورات الربيع العربيّ. كلاهِما ضدّ الإسلام السيّاسي؛ وكل منهما قاد حرب كواليس ضدّ حكم الإخوان المسلمين في مصر، على الرغمِ من أن الرئيس محمد مرسي حافظ على العلاقات مع إسرائيل، ولم يشكّل نظامه تهديدًا لها. وكلاهمَا تخوّفَا من سقوط نظام الأسد بافتراضِ تعويض نظامهِ بجماعات إسلامية متطرّفة، وقد شاهدنا كيف سارعت الإمارات إلى إعادَة فتحِ سفارتها في دمشق، من دون وجود حاجة فعليَة لذلك، ووسطَ تعفّف بشار الأسد نفسهِ من عودةِ هذه العلاقات. قدمت الإمارات خدمات تبدو "مجانية" لإسرائيل؛ خاضت حروبًا بدلا منها في كلّ البيئات العربيَة التي عرفت تغييراتٍ، أو كانت مرشحّة لذلك، إلى درجةِ أصبح فيها هرم العلاقات الدوّلية مقلوبًا؛ وهي سابقةٌ من صنعِ أيدي حكّام الإمارات، حيث ولدت العلاقات تحالفًا، وانتهت حين نضجها سفارات وقنصليات وطيرانا مباشِرا.

سيلحق كثرٌ بركب الإمارات. هذا ربّما "عصر التطبيع"، ولن تجِد إسرائيل فرصةً أكثر مواءمة من هذه؛ رئيس أميركي يحكم في نظامٍ دولي فوضوي، من دون أدنى وازعٍ أخلاقي، وحكّام يرون في علاقتهِم مع إسرائيل وثبةً إلى الأمام وتحرّرا من عبء قضيّةٍ ليسوا جزءا منها بالمعنى الاستراتيجي، ولا تشكّل أي عبءٍ على ميزانيتهم أو ميزانيات جيوشهِم، عدا الاستثقال بمشاهدة الفلسطينيين وهم يقتلون على شاشات التلفزيون. ولو كانتَ العلاقات مع إسرائيل وثبةً إلى الأمام، للاحظ العرب آثار هذه "الوثبة" على مصر والأردن.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع