عالم افتراضي لمسؤولين فلسطينيين (1)

عالم افتراضي لمسؤولين فلسطينيين (1)

ألقى أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات، كلمة في مؤتمر المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية (مسارات)، الذي عقد يومي 21 و22 من الشهر الماضي (أغسطس/ آب). وقبله بنحو شهر، شارك رئيس وحدة الشؤون الاستراتيجية في مجلس الوزراء الفلسطيني، أحمد جميل عزم، بكلمة في ندوة بعنوان "الضم والتطبيع والأبارتهايد"، نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بالتعاون مع مكتبة الأرشيف في عمّان. ومن متابعتي المشاركتين، خالطني شك قوي بأن بعض كبار مسؤولي السلطه الفلسطينية إما أنهم يعيشون في عالم افتراضي، أو أنني الذي أعيش في ذلك العالم. 

بدايةً، الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي طعنة غادرة وضربة قوية وخيانة قومية، إلّا أنه يجب الإقرار بأن اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل كسرت حاجز المناعة العربية المقاوم للتطبيع. حتى أن اتصالات بعض الأنظمة العربية الرسمية مع إسرائيل سراً قبل "أوسلو" لم تكن ذات سمات تطبيعية، بل لإنجاز أمر محدّد. ولم تكن هناك من علاقات عربية غير رسمية مع الحركة الصهيونية إلا اتصال حزب الكتائب اللبناني وزعيمه بيار الجميل بها قبل قيام إسرائيل وبعده. وفي ما عدا ذلك، ظل التواصل مع إسرائيل عملاً مؤثّماً وفضيحة وطنية كبرى، إلى أن جاءت "أوسلو". ومع عدم وجود قيادة رشيدة تضبط إيقاع المفاوضات مع إسرائيل، بدأت عملية التسرّب رويداً رويداً، وبدأت عناصر الصمود تنهار.

قال صائب عريقات إن السلطة الفلسطينية تتعرّض لمشروع تدمير، وإن اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي جزء من هذا المشروع الهادف إلى إيجاد بديلٍ عنها. وبحسبه، فإن السلطة حين ولدت كانت ثمرة نضال الشعب الفلسطيني وكفاحه، ووظيفتها كما حدّدت في اتفاق أوسلو "نقل الشعب الفلسطيني إلى الاستقلال، و"لن ترضى بسلطة خدمية". وتزيينا لهذه الأقوال ينقل عريقات ما قال إنه من مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة "لن يكون هناك سلام ما دام محمود عباس على رأس السلطة". ويؤيد هذا أحمد عزم، حيث قال إن السلطة الفلسطينية نشأت بقرار من منظمة التحرير التي توصلت إلى اتفاق انتقالي مع إسرائيل.

هذه أقوال في غاية الأهمية، ولا سيما أنها تصدر عن مسؤول فلسطيني رفيع، لكنها عند تفكيكها لا تصمد أمام الوقائع الصلبة (وليس الافتراضية). والثابت، بخلاف ما يقوله عريقات وعزم، أن السلطة الفلسطينية لم تنشأ بفضل كفاح الشعب الفلسطيني، وليست ثمرة نضال هذا الشعب ولم تنشأ بقرار من منظمة التحرير، بل جاءت بفضل اتفاق أوسلو، الذي هو، في الواقع والقانون، وثيقة استسلام وباطل قانوناً. والأساس الذي أقيمت عليه أنها الوارث للإدارة المدنية التي أوجدها الحكم العسكري الإسرائيلي، بموجب الأمر العسكري 947 الصادر في نوفمبر/ تشرين الثاني 1981، وجاء إنشاؤها خلال مفاوضات كامب ديفيد بشأن شكل الحكم الذاتي الذي اقترحه رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن على الرئيس المصري أنور السادات. واستباقاً لذلك الاحتمال، أنشأ الحاكم العسكري في الأراضي الفلسطينية المحتلة الإدارة المدنية، وأوكل إليها القيام بالمهام المدنية لإدارة شؤون السكان، بما فيها جمع النفايات، المهمة التي يعترض عليها عريقات. (أنظر الملحق الثالث لاتفاقية أوسلو 1995). وحين تمّ التوقيع على اتفاق أوسلو، نقل الحاكم العسكري المهام من الإدارة المدنية إلى سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني التي سمّيت، تجميلاً، "السلطة الفلسطينية"، وورد ذلك في أول مواد اتفاقية أوسلو تحت عنوان "نقل الصلاحيات". ولم يرد في ذهن القيادة الفلسطينية، أو لا تريد أن تصدّق أن قيامها بمهام الإدارة المدنية يعني أن السلطة الأسمى في هذه العملية هي سلطة الحاكم العسكري الإسرائيلي (أنظر المادة الأولى)، الذي أوجد الإدارة المدنية بموجب أمر عسكري صادر عنه. وبالنتيجة هو مصدر الصلاحيات لكل من تنتقل إليه المهام الموكلة للإدارة المدنية بما فيها السلطة الفلسطينية. ولا يغيّر من هذا الترتيب أن أصبح يطلق لقب "رئيس" أو "رئيس وزراء" أو "وزير" على مسؤولي السلطة، إذ إنه، وعلى ما قال عريقات صراحة في تصريح له: "سأقول أموراً قد تغضب الرئيس الفلسطيني.. أعتقد أن الرئيس الحقيقي للشعب هو وزير الجيش أفيغدور ليبرمان. أما رئيس الوزراء الفلسطيني فهو المنسق بولي مردخاي" (صحيفة الشرق الأوسط، 21/2/2018). وفي التصريح نفسه، كان عريقات أميناً وصادقاً حين قال: "هناك فرق بين انهيار السلطة وحلها وتسليم المفاتيح، لأني أعتقد أن المفاتيح لم تكن يوماً بأيدينا". وهذا تأكيد أن المفاتيح في الواقع ظلت بيد الحاكم العسكري. 

لذلك، ليس من سبب أو ضرورة لإقامة علاقات دبلوماسية على مستوى الدول (الإمارات مع إسرائيل) لتدمير السلطة، ذلك أن تدميرها لا يحتاج إلّا لأمر من الحاكم العسكري الإسرائيلي، لتفكيك السلطة، فهو خالقها ومصدر صلاحياتها. وقد مارس الحاكم العسكري، أحياناً، صلاحياته، إذ قام بعملية غزو للمقاطعة وحصار الرئيس ياسر عرفات، كما أنه شلّ السلطة الفلسطينية حين ألغى انتخابات المجلس التشريعي الثاني (2006)، حيث لم تأت الانتخابات على مقاس الاحتلال. ويقرّ صائب عريقات نفسه بأن الرئيس محمود عباس لا يتحرّك إلّا بإذن من سلطة الاحتلال، و"هذه هي الحقيقة" (الشرق الأوسط، 21/2/2018). وتجافي هذه الوقائع ما قاله أحمد عزم إن عملية بناء السلطة تركز على ترتيب المفاوضات وإقامة العلاقات مع دول العالم، وبناء المؤسسات الأمنية والمدنية على الأرض. نجحت السلطة في بناء المؤسسة الأمنية فقط، لأنه ليس بإمكانها، ولا من صلاحياتها، القيام بالمهام الأخرى. أو بالأحرى كانت هذه مهمتها الأساسية، المقاولة من الباطن للاحتلال.

وتأكيداً على هذه النتيجة، ورد في كلمة عريقات أن أول قرار اتخذه نتنياهو عند عودته إلى الحكم في إسرائيل في العام 2009، "إعادة الإدارة المدنية إلى الحياه، بينما في الاتفاق الانتقالي حُلّت الإدارة المدنية ..". وهذا ورد في صلب اتفاق أوسلو، أن مهام الإدارة المدنية وصلاحياتها سوف تنقل إلى سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، ومن ثمّ يتم حلّها. وإحياؤها يعني استرجاع الصلاحيات، أو بعضها. ولم يستأذن نتنياهو أحداً في سحب أيٍ من الصلاحيات، ولم يطلب موافقة السلطة الفلسطينية. ويؤيد هذا القول أن ما تسمى "الحكومة الفلسطينية" أعربت عن احتجاجها على مضاعفة عدد العاملين في الإدارة المدنية، والتي كان من المفروض حلّها. واعتبرت إحياء الإدارة المدنية تقويضا للسلطة الفلسطينية (الموقع الإلكتروني للحكومة الفلسطينية، 5/3/2019).

وما يقوله صائب عريقات إن "وظيفة السلطة نقل الشعب الفلسطيني إلى الاستقلال"، ويؤيده أحمد عزم، لا يسنده دليل، ولم يرد في كل أوراق أوسلو والاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل ذكر لكلمة "استقلال" أو "دولة"، أو ما يفهم منه تلميحاً دولة فلسطينية أو حق تقرير المصير. وحين قدّم رئيس الوزراء، إسحق رابين، اتفاق إعلان المبادئ مع منظمة التحرير الفلسطينية إلى الكنيست للمصادقه عليه في أواخر 1993، قال إن أقصى ما تمنحه إسرائيل للفلسطينيين حكم ذاتي ولكنه ليس دولة. وكان قوله تأكيداً لما قاله بيغن للسادات إنه لا يمكن لإسرائيل أن تسمح بإقامة دولة فلسطينية إلى جوار إسرائيل غرب نهر الأردن، فمن أين جاء عريقات (ومعه أحمد عزم) بوصف وظيفة السلطة أنه الانتقال إلى دولة، إلا أن يكون ذلك تفكيرا افتراضيا؟... يتبع

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع