ليبيا ومشروع بيفن سفورزا مجدّداً

ربما تمر السنون، وتتكرر فيها الأحداث والوقائع، بصيغ وألوان وطرق مختلفة، غير أن الذاكرة التاريخية دائماً ما تفتأ أن تُذكِّر الجميع بأحداثٍ مرت، وقضايا طرأت وتجددت، فتشابهت وقائعها، أو حتى مجرياتها مع الحاضر. واليوم تعود الذاكرة بنا إلى ما قبل استقلال ليبيا، أو بالأحرى إلى إرهاصات استقلال الدولة الليبية، وتحديدا إلى يوم 13 مايو/ أيار 1949، والذي وافقت فيه اللجنة المتفرعة من الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع "بيفن سفورزا" الذي قدمه وزيرا خارجيتي بريطانيا وإيطاليا في ذلك الوقت، وينص على الوصاية الدولية على ليبيا، حيث عهد هذا المشروع إلى بريطانيا الوصاية على برقة، وفزان إلى فرنسا، بينما تكون منطقة طرابلس تحت الوصاية الإيطالية. ويستمر العمل بهذا المشروع عشر سنوات، لتمنح بعدها ليبيا استقلالها. 

هكذا كان نص المشروع ومضمونه، تقسيم ووصاية إلى حين، غير أن اللافت للنظر في هذا المشروع ورود نص "ليبيا الموحدة"، بعد ذكر الوصاية على كل إقليم! وذلك بالقول: ".. على أن لا يؤثر هذا على اندماجها في ليبيا الموحدة". وليس معلوما كيف تكون موحدة وتحكمها ثلاث دول! كل له مآربه وسياساته، بل وأطماعه، وبالتالي لا يعدو ذكر هذا النص إلا أن يكون تغطية لمآرب خفية أخرى، لا يمكن ذكرها في هذا المشروع، أو حتى لم يحن وقتها حينها. وبالتالي، وجب في نظرهم الإتيان به، لدغدغة الأنفس داخلياً، واتخاذه ستاراً لأعمال سياسية واقتصادية أخرى، تخدم مصالحهم، لا غير. ولا يتم ذكر هذا هنا إلا مثالاً واضحاً لكيفية التلاعب بالمشاريع والاتفاقات السياسية لتمريرها، وإلا كيف تكون دولة موحدة تحت وصايات متعددة! 

هاجمت الدول العربية، وقتها، ذلك المشروع بكل قوة، حتى قدمت تعديلات كثيرة لقبوله، إلا أنها كلها رفضت، إلا تعديلاً واحداً تقدمت به النرويج، ينص على استقلال ليبيا تلقائياً، بعد السنوات العشر، ما لم تقرر الجمعية العامة خلاف ذلك! ليتبين أن كل ما ذكر يدور في دائرة المشروع نفسه، ولا يغير من الأمر شيئاً، غير أن الحسابات السياسية لدول أخرى ساعدت في إفشاله، عند التصويت عليه، حتى أسقط في مهده ولم ير النور. 

"على الليبيين إيجاد حل يقف ضد أطماع الدول، باتفاق شامل يخرج بلدهم من أتون التدخلات والتجاذبات، بل والحسابات الخارجية"

واليوم، وبعد مرور نحو سبعين عاماً على استقلال ليبيا، تعاود دول، وبمحاذاة الثورة المضادة، استنساخ هذا المشروع مجدّدا، بطرق وآليات جديدة مباشرة وغير مباشرة، في غياب التوافق السياسي في البلاد، ومن ذلك: تغذية بعض الدول الدعوة إلى إقامة الفيدرالية داخل البلاد، عقب نجاح ثورة فبراير مباشرة، قبل أن تتضح معالم الدولة الثورة، أو حتى قيام مؤسساتها، وكذلك محاولة إظهار التباين بين الأقاليم في أحيان كثيرة. هذا من الناحية الداخلية، أما الخارجية السياسية، فمنذ 1949، تغيرت حسابات دول صديقة كثيرة قبل غيرها، فتلك التي كانت تقف مع ليبيا ضد مشروع بيفن سفروزا اليوم تخوض في أمثاله، في محاولة لإيجاده مجدّداً، فلم يعد يخفى على أحد دعم بعض الدول عسكرة الدولة وتغذية الأزمة التي تمر بها البلاد، حتى تنال مكاسبها السياسية والاقتصادية أولاً، ومحاولة دفن الثورات العربية على العموم في مهدها، كما فُعل ببعضها ثانياً. ومن الناحية الدولية الاستعمارية الجغرافية الاقتصادية، هناك دول إقليمية لا تريد أن تفرّط في مصالحها في ليبيا على أقل تقدير، فمثلاً تدفع روما دوما إلى الحضور القوي في الشأن الليبي، لاعتبارات سياسية واقتصادية مهمة لها، ليس أقلها اعتماد إيطاليا على تدفق النفط والغاز الليبي لإنتاج أكثر من 70% من احتياجاتها في مجال الطاقة، وبذلك لعبت دوراً بارزاً في اتفاق الصخيرات، حتى أنها اكتفت به في فترة زمنية معينة لحل الأزمة، غير أن تدخل فرنسا في الأزمة الليبية المتكرّر بدعم أحد أطراف الأزمة من جهة، وطرحها مبادرةً للحل من جهة أخرى كما فعلت أخيرا، والتي لم تلق قبولا كبيراً بين الأطراف السياسية في البلاد، أعاد هذا التدخل الدور إلى إيطاليا، لتجديد مناوراتها السياسية في البلاد، غير أن كليهما (إيطاليا وفرنسا) يتحرّكان على مبدأ مشروع بيفن سفورزا بطرق وآليات جديدة، تمكّنهما من إيجاد مثيله على الواقع، ولو جزئياً، اقتصادياً وسياسياً. 

بعد استقراء ذلك كله تاريخياً وسياسياً، على الليبيين إيجاد حل يقف ضد أطماع تلك الدول، باتفاق شامل يخرج بلدهم من أتون التدخلات والتجاذبات، بل والحسابات الخارجية. ولن يكون هذا الاتفاق متاحاً إلا بالحوارات الداخلية البحتة، والمتمثلة في الحل الليبي الليبي شكلاً ومضموناً، غير أن كثيرين يردّون على هذا التوجه بالقول بعدم إمكانية ذلك، كون ليبيا جزءا من منظومة دولية، تتداخل فيها المصالح والسياسات الدولية. وللإجابة على ذلك، يُستعاد عدم نجاح مشروع بيفن سفورزا في 1949، إذ يُرجعه كثيرون إلى التحرّكات الشعبية التي ناهضته، بالإضافة إلى تضارب المصالح الدولية بشأنه وقتها، ووجود إرادة شعبية ومجتمعية على تحقيق استقلال البلاد، وهذا كله متاح الآن بكل أوجهه، فالتوافق السياسي لا يمكن أن ينعدم داخلياً، إذا لم يُغدَّ بنقيضه خارجياً. وبالتالي، لن يكون حل الأزمة في البلاد إلا داخليا بحتا، وبإرادة شعبية، قبل أن تكون سياسية في ظل الاستقطابات الخارجية لأطراف الأزمة، وهذا مما يجب الأخذ به، طالت الأزمة أو قصرت، حتى لا يتكرّر مشروع بيفن سفورزا مجدداً، بآليات جديدة وغير مباشرة على أقل تقدير.

الفيتوري شعيب
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha