النخبة بين النظرية والواقع العربي

النخبة بين النظرية والواقع العربي

تعود جذور نظرية النخبة إلى الفكر السياسي الإغريقي. وكانت الاتجاهات البحثية في تلك الحقبة، كما يذكر ألكسندر قروث، تقوم على تحديد "من يحكم أو من يسيطر على قمة النظام السياسي، للتعرف على نوع النظام، والتمييز بين النظم الديمقراطية والأوتوقراطية والأوليغارشية... إلخ". وثمّة شروحات عامة لكلٍّ من سان سيمون وكارل ماركس، يعود إليها السبق في تحليل جزئي لنظرية النخبة التي لا يمكن الكتابة عنها، من دون التطرّق لأطروحات ثلاثة مفكرين سياسيين إيطاليين، هم الأباء المؤسسون لهذه النظرية. الأول باريتو الذي يرى أن النخبة ينبغي أن تكون ذكية، وهذا ما يميزها عن بقية أفراد المجتمع، أي أن الذكاء معيار مهم للانضمام إلى النخبة، لكن القوة هي المعيار الأهم، حتى يمكن الانتقال من النخبة غير الحاكمة إلى النخبة الحاكمة. وبعبارة أخرى، القيمة الشخصية هي ما تحدّد من يمثل النخبة، كما أن ثنائية الذكاء والقوة هي من الشروط الرئيسة التي تحدّد مجتمع النخبة، باختلاف أنواعها. والثاني موسكا، وقد استبدل مفهموم النخبة بالطبقة السياسية، انطلاقاً من التحليل الطبقي لهذه الظاهرة، ويعتبرها طريقة مهمة لفهم التاريخ وتحليله، وهو تاريخ النخب، أو الطبقات السياسية الحاكمة التي توجد في كل المجتمعات. وعلى الرغم من قلة عدد المنتمين إليها، إلا أنها تتميز بدرجة عالية من التنظيم والتحكّم بمفاصل القوة السياسية والقرار السياسي. ويذكر الثالث (ميشلز) أن السمات الشخصية لا يمكن الاعتماد عليها في تحديد النخبة، بل ينبغي فهم الموقع (مؤسسة، منظمة.. إلخ) الذي تشغله ودرجة القوة التي يمارسها الفرد أو الجماعة داخلها. 

ولدى المدرسة السلوكية عدة إسهامات حول نظرية النخبة، في مقدمتها ما كتبه عالم الاجتماع الأميركي، سي رايت ميلز، عن مفهوم النخبة في كتابه "نخبة القوة". وأهم ما توصل إليه هو أن صناعة القرار السياسي مسألةٌ تشترك فيها جماعة سياسية واقتصادية وعسكرية، وهي التي تحكم المجتمع الأميركي. وبناءً على ذلك، يرتكز مفهوم النخبة لدى ميلز على متغيريْن، المؤسسة الحاكمة والعضوية. 

وبإسقاط ما سبق على واقع النخب العربية، نقع في إشكالية المفهوم نفسه، لأن معايير النخبة 

"على النخب العربية الحرص والعمل على تجديد فكرها وتطوير ذاتها" نظرياً محدّدة، وقد تكون ثابتة، بخلاف نهج النخبة وأفكارها القابلة للتغيير والتجديد. وقد تدخلنا هذه المصطلحات في مساحة الممنوع بجغرافيا العرب. ولا مبالغة في القول إن التغيير والتجديد أكثر مصطلحين يثيران حساسية غالبية الأنظمة العربية، على الرغم من أنهما قد يكونان في صالحها، لا سيما إذا ارتبط الأمر بالتطوير والاستقرار. 

النخبة في الدول العربية دائرة مغلقة، ومحصورة إما على أسرة، أو مؤسسة (ساسة، جيش، رجال أعمال). ويقوم انضمام أعضاء جدد إليها على طبيعة العلاقة بينهم وبين من يتحكّم بالنخبة نفسها، أو على الارتباط المصلحي، كما أن تكوين النخبة وتشكيلها من الداخل يرتكزان، بالدرجة الأولى على صلة القرابة أو الجينات الوراثية، أو الالتزام الأيديولوجي، وليس على فكر الفرد وثقافته وقوة إنتاجه. ويمكن اعتبار ما سبق من أهم شروط منح صك النخبة. 

يذكر عبدالرحمن مُنيف في كتابه "بين الثقافة والسياسة" "أن طبيعة المهمات التي كانت منوطة بالمثقف، والتي كانت تجعل منه قائداً سياسياً ومشروعاً نهضوياً وفكرياً، لم تعد كذلك الآن... والأنظمة العربية قليلة الثقة بالثقافة، ولا تكنّ لها الود، وهذه إحدى نقاط ضعفها، فمن لم يدرك أهمية الثقافة ودورها في بناء العقل والوجدان، سوف تتحول إلى شيء معادٍ". 

لا يكمن الخلاف في حجم النخبة، لكن الإشكال يقع في المعايير اللازم توفرها بمجتمع أو أفراد النخبة.. هل هي قابلة للتطوير؟ وهل هناك علاقة بين شيخوخة السياسة ومجتمع شاب في الوطن العربي بتلك المعايير؟ ولماذا يتفوق فكرياً وثقافةً من هم خارج النخبة على من يمثلها؟ تحتاج كل هذه التساؤلات إجابات بحثية رصينة، ولعلها تصلح أن تكون موضوعا لأطروحة ماجستير أو دكتوراه. 

وأخيراً، على النخب العربية الحرص والعمل على تجديد فكرها وتطوير ذاتها، لأن التاريخ سيذكرهم فقط أكثر من غيرهم. ومع تطور طرق الكتابة والوصول إلى المعرفة، لن يضيع الباحث وقته بقراءة التاريخ في كتب تجارية أو أبحاث غير رصينة، أو التي تفرض على المناهج التعليمية.

مبارك الجِرِي

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha