العراق والعقوبات على إيران

العراق والعقوبات على إيران

مع إعادة إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فرض العقوبات الاقتصادية وتشديدها على إيران، تتوجه الأنظار إلى الخيارات المتاحة أمام طهران، وتبدو الساحة العراقية بلا شك طريقا مرشحا للاتفاف على العقوبات أو مجابهتها. العراق هو البلد الذي تتمتع فيه إيران بنفوذ كبير منذ عام 2003، فهل سيكون رئتها الاقتصادية للتنفس في ظل العقوبات، مثلما دعا إلى ذلك أحد السياسيين العراقيين؟ وهل ستسمح الولايات المتحدة بذلك؟ 

تعد إيران الشريك التجاري الثالث للعراق، بعد تركيا والصين. يميل الميزان التجاري بين البلدين بحدة لصالح طهران، حيث تصدر إيران للعراق بضائع قيمتها 6.5 مليارات دولار سنويا، وتعمل على زيادة ذلك. كما أن العراق يعد ثاني أكبر مستورد للسلع غير النفطية من إيران، وهي سلع ستصبح مهمة جدا لإيران مع دخول العقوبات النفطية موضع التنفيذ بعد ثلاثة أشهر. أما عمليات التهريب فتشكل نشاطا اقتصاديا كبيرا غير مسجّل. 

تتوعّد الولايات المتحدة إيران بعقوباتٍ تدّعي أنها ستكون الأقسى في التاريخ. لذلك ستحاول إيران أن تبحث عن منافذ تصدير نفط بديلة، وعن تعاون من الدول المجاورة لها في التصدّي للعقوبات، والعراق في قلب هذين المسعيين. لن تكون العقوبات على إيران سهلة أبدا، وقد تصاعد الاستياء في الشارع الإيراني قبل أن تبدأ العقوبات، فيما تدهورت قيمة العملة الإيرانية بشدة. وعلى هذه الظروف، تعوّل الإدارة الأميركية التي تدّعي أنها لا تريد إسقاط النظام الإيراني، وإنما تريد فرض قيود صارمة على نشاطات إيران الإقليمية. 

يعد العراق بالتاكيد ساحة رئيسية للنشاطات الإيرانية الإقليمية التي تقول واشنطن إنها تريد إنهاءها. لكن الأميركيين رضوا، على الرغم من خسائرهم الكبيرة في العراق، بعد احتلالهم له في العام 2003، بتقاسم النفوذ مع الايرانيين في هذا البلد. حتى ترامب الذي أصدر تصريحات تنتقد سلفيه بوش الابن وباراك أوباما في سياستهما في العراق، عاد ليتبع سياسةً شبيهةً بهما، فيما يتعلق بالتعامل مع العراق وموازين القوى فيه، وحجم النفوذ الإيراني. وهنا سيكون من المهم ملاحظة إن كانت إدارة ترامب ستغير ذلك، باعتبار الأمر جزءا من استراتيجيتها الجديدة تجاه إيران. ولا تظهر المؤشرات الأولى أن واشنطن تريد أن تواجه إيران مباشرة في العراق. 

مهم هنا أن نتذكّر أن العراق واجه اتهامات عديدة بمساعدة إيران من أجل خرق العقوبات، عندما فرضت أول مرة عام 2012. وجهت الولايات المتحدة حينذاك انتقادات لحكومة رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، التي نفت مساعدتها إيران. ولم تتحول الانتقادات الأميركية إلى عقوبات للعراق، على الرغم من تدهور علاقات المالكي بالأميركيين على أكثر من صعيد. لكن بغداد مع ذلك استقبلت، وفي مناسبة دبلوماسية نادرة، إحدى جولات مفاوضات أميركا والقوى العالمية الأخرى مع إيران، والتي استمرت جولاتٍ، وانتهت بالاتفاق النووي  

"مهم هنا أن نتذكّر أن العراق واجه اتهامات عديدة بمساعدة إيران من أجل خرق العقوبات، عندما فرضت أول مرة عام 2012" الذي وقع عام 2015، وانسحب منه ترامب في مايو/ أيار الماضي. 

على الرغم من أن حلفاء طهران من الأحزاب العراقية يسيطرون على الحكم في العراق، إلا أن درجة تعاون العراق مع العقوبات الأميركية، في ظل حكومة رئيس الوزراء، حيدر العبادي، أكبر منها في عهد المالكي، فقد شهدت السوق العراقية تقييدا واضحا لحركة النقد الذاهب إلى إيران فيما تتحدّث مصادر عن وجود مستشارين أميركيين في البنك المركزي العراقي، يراقبون وينظمون التزام العراق. لكن هذه طبعا ليست سوى مؤشرات أولية، فالقطاع المصرفي العراقي يمثل بابا مهما من الأبواب التي استخدمتها إيران عند فرض العقوبات عليها قبل أعوام، فمعظم المصارف العراقية تملكها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أحزاب عراقية مقرّبة من إيران التي تشعر بالخطر يقترب من نظامها ورأسه. لذلك من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة انعكاسا للصراع الإيراني الأميركي على عملية تشكيل الحكومة العراقية، واختيار رئيس وزراء لها. لا تسمح الطبقة السياسية في العراق، والطريقة التي تدير بها العمل السياسي، بوصول رئيس وزراء معاد لإيران. وستضغط الأخيرة أيضا من أجل أن يأتي رئيس وزراء أقرب لها من حيدر العبادي. 

عمليا، وفي القطاع النفطي، دخل حيز التنفيذ قبل أشهر اتفاق تصدير نفط متبادل بين العراق وإيران، يصدر العراق بموجبه النفط الخام من حقول كركوك شمال العراق إلى مصفاة كرمنشاه الإيرانية لتقايضه إيران بمشتقات نفطية، تزوّد بها محافظة البصرة جنوبي العراق. وعلى الرغم من أن الكميات التي يتضمنها هذا الاتفاق ليست ضخمة، إلا أنها تفتح الباب أمام التحرّكات الإيرانية من أجل اختراق العقوبات النفطية. وقد ذكرت التصريحات العراقية الأولى أن بغداد لا تنوي التخلي عن الاتفاق، على الرغم من اقتراب العقوبات. 

تستطيع أميركا أن تواجه إيران في العراق بشدة، لكن هذا غير متوقع، إذ ما زالت إدارة ترامب تتعامل مع العراق على أنه جبهة ضد تنظيم داعش، لا جبهة ضد إيران. لذلك، من المتوقع أن يكون العراق فعلا متنفسا إيرانيا لمجابهة العقوبات، تحت بصر الجهة التي فرضتها.

رافد جبوري

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha