التحديث والنخب والشعب القاصر

التحديث والنخب والشعب القاصر

خضعت تجارب التحديث في الدول العربية لنماذج مختلفة ومتنوّعة، لكنها ذات قواسم مشتركة أحيانا، تلتقي حول سماتٍ تتكرّر في كل التجارب تقريبا. ولعلنا في استحضار تجارب محمد علي في مصر وخير الدين باشا في تونس والتجربة المغربية نهتدي إلى أبرز النماذج. وعلى اختلاف السياقات، سيكون الوقوف على العلاقة التي كانت تربط بين النخب الحاكمة آنذاك والخارج والبلاط والنخب المحلية مهمّا. هذه ثلاث أضلع، لا يمكن فهم تجارب التحديث من دون تحليلها، بقطع النظر عن فحواها وعمقها، فقد ظلت هذه المسائل محدّدةً في فشل تجارب التحديث تلك، أو نجاحها، على محدوديتها. ولكن لا يمكن فهم تلك التجارب إلا بالعودة إلى تلك المتغيرات التي حكمت تجارب التحديث تلك. 

كان للعامل الخارجي أثر حاسم، وهو عاملٌ معقد، فقد ساهمت القوى الخارجية، بالضغط والابتزاز، وحتى التهديد أحيانا، في وضع أجندات هذا التحديث، واختيار ما يدعم ولا يدعم منه، لكن هذا لا يعني بتاتا أن مواضيع ذلك التحديث وحقوله كانت خاطئةً أصلا، كما لا يعني أيضا أن التحديث كان مؤامرةً.. إلخ، كما تدّعي بعض الأطروحات. 

أما العامل الثاني فكان مردّه علاقة النخب بالبلاط، وتحديدا بالدولة، بقطع النظر عن شكلها ونمط مشروعيتها، فقد قامت تلك العلاقة على الولاء، أي نخب "مخزنية"، بلغة الأشقاء  المغاربة، فهذه النخب التحديثية كانت مرتبطةً بالبلاط / المخزن، أي السلطة السياسية الحاكمة. وظلت، حتى في حالات ما بعد الاستقلال، نخبا في مطالب تحديثها منخرطةً في مشاريع التحديث التي قادتها الدولة، فكانت النخب الوطنية تحت الإدارة المخزنية. وتحوّلت، في أحيان كثيرة، إلى مبرّر لسياسات التحديث تلك، وتنازلت تواطؤا عن المطالبة بالتحديث السياسي، فأسقطت من أجندتها التحديثية مطالب الديموقراطية والحريات والمشاركة السياسية. وفي المقابل، اجتهدت في التحديثات الاجتماعية والثقافية، من منظور حاجات الدولة ومشاريعها وهندستها المجتمعات التي رغبت في إنتاجها. 

وأخيرا، كانت النخب الوطنية، في مشاريعها التحديثية، وهي في الأصل مشاريع الدولة المركزية، قائمةً على انتقائية. ولم تكن ممثلةً لجميع أطياف المجتمع، إذ قرّبت الدولة منها النخب التي وجدت فيها خادما طيعا، ما جعلها تستفيد من أيديولوجية تلك النخب، لتبرير شرعيّتها، وتجديد مشروعيتها، خصوصا بعد الاستقلال. 

الحلقة الغائبة في كل مسارات التحديث تلك هي الشعب الذي كان حقل التجارب التحديثية المتّبعة، سواء مع تجارب تحديث دولة التنظيمات أواخر القرن التاسع عشر، أو تجارب تحديث الدولة الوطنية. ونتجاوز، لأسبابٍ منهجيةٍ، تجارب التحديث الكولونيالي التي تناولتها كتابات عديدة.

على الرغم من أن مختصين عديدين في العلوم الاجتماعية يتحفّظون على استعمال مصطلح "الشعب"، فإنه يجري استعماله هنا بتحفظاتٍ كثيرةٍ، وليُعني به أوسع فئات اجتماعية ممكنة لم تشارك في رسم التوجهات، ولا صنع القرارات، وهي التي تحوّلت إلى حقل تجارب التحديث، خاضعةً لمشيئة النخب المتنفذة من خلال مؤسسات الدولة وسياساتها.

ظلت هذه الفئات مغيبةً عما تم ذكره، وليس لها ناطقٌ رسمي، تُبلغ من خلاله صوتها. إنها

"كانت النخب الوطنية، في مشاريعها التحديثية، وهي في الأصل مشاريع الدولة المركزية، قائمةً على الانتقائية"  نخبٌ فاقدة للصوت، بكماء بفعل سياسات التبكيت المتبعة، إذ هي، حسب بعض تلك النخب نفسها، إما لا تحتاج إلى صوت أصلا، نظرا لأن صوتها غير جدير بأن يُستمع إليه، لأنها غير عقلانية ومتخلفة، أو لأنها عامة ودهماء تمثل خطرا محدقا. وفي أحيان كثيرة، كان يُنظر إلى هذا الشعب بازدراءٍ كثير، ولا يلتفت إليه إلا تملقا، من خلال حملات الديماغوجيا والبروباغندا، لتبرير البيعات، أو تزكية الانقلابات. كان نعت "الشعبي" يفيد هذا المعنى، وظلّ، في الأدبيات السياسية العربية، يحمل كثيرا من النفاق السياسي.

لقد أجّلت مطالب اجتماعية وسياسية عقودا سياسية طويلة، وهي التي شكّلت استحقاقا شعبيا، بدعوى أن الشعب لم ينضج بعد، فأجلت الديموقراطية وحرية الرأي والانتخابات، بهذه الذريعة بالذات، فالشعب كيان هلامي عاطفي، لا يستحقّ أن يقدّر باعتباره فاعلا سياسيا. لذلك خيّرت أنظمة سياسية عديدة في العالم العربي بين أن تتجاهل هذا الشعب، أو تتدرج في التحديث السياسي، تحديدا ضمن منهج قطرة قطرة، انسجاما مع توصيات تلك النخب.

خلنا أن الثورات العربية ساهمت، بشكل حاسم، في القطع مع تلك التصورات التي تزدري الشعب، وهي التي رفعت شعارات "الشعب يريد"، لكن الجدل عاد، في تونس تحديدا، على خلفية تقرير الحريات الفردية والمساواة الذي يعيد تنشيط مقولة "الدور الطلائعي للنخب"، المرتبطة بالدولة تحديدا. وقد يكون ذلك حافزا لمزيدٍ من نقاش هذه الأطروحات، والإجابة على الأسئلة المركّبة: كيف يمكن أن نستسلم للإرادة الشعبية، بالقبول بالانتخابات مثلا، والتمثيلية المجسّدة عادةً في الأنظمة الديموقراطية للإرادة الشعبية، ونمنع عنه مثلا آلية الاستفتاء والعودة إليه، كلما تعلّق الأمر بخياراتٍ حاسمة، لا تهمّ مسائل عرضية، بل مسائل خطيرة على غرار الإرث والمثلية.. إلخ. هل يحقّ للنخب أن تختار نيابةً عنه؟ وضمن أي أفقٍ سياسي وأخلاقي، يمكن أيضا تجنّب تلك الخطابات الشعبوية التي تتباهى بملائكية الشعب وعظمته وإرادته، وهي تجاري أمزجةً أحيانا تكون عرضةً للتلاعب والعبث، في ظل أزماتٍ حادّة يمر بها هذا الشعب نفسه؟

المهدي مبروك

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha