عن صعود "السلطوية الرأسمالية"

في الوقت الذي تتراجع فيها الديمقراطية الليبرالية، وتجتاح فيه القوى اليمينية والشعبوية الديمقراطيات الغربية الراسخة من فرنسا وحتى أميركا، تتصاعد السلطوية الرأسمالية بشكلٍ متزايد، وتحقّق بلدانها معدلات نموٍّ اقتصادي لافتة، على غرار ما يحدث في روسيا والصين وبلدان الخليج العربي، خصوصا السعودية والإمارات، وكذلك بعض بلدان آسيا الوسطى، مثل كازاخستان، وأوروبا الشرقية مثل بولندا ورومانيا. 

وعلى عكس نظريات التحديث والانتقال الديمقراطي الكلاسيكية التي ربطت دوماً بين الديمقراطية والازدهار الاقتصادي، فقد نجحت السلطويات الرأسمالية في تحقيق معدلات الازدهار والنمو الاقتصادي نفسها خلال العقدين الأخيرين، بل وتفوّقت أحياناً على نظيرتها الغربية، وهو ما يشكّل تحدياً كبيراً للنموذج الغربي الذي بشّر به مفكّرون وباحثون غربيون كثيرون، في مقدمتهم فرانسيس فوكوياما. 

نظرة سريعة على المؤشرات الاقتصادية والإنتاجية والتنموية للسلطويات الرأسمالية، ومقارنتها بنظيرتها الغربية، تكشف هذا الواقع الجديد. فحسب دراسة ياشا مونك، الأستاذة في جامعة هارفارد، وروبرتو ستيفان فاو الباحث في جامعة ملبورن، والتي نشرتها أخيرا مجلة فورين أفيرز، فإن ثلثي أكبر خمسة عشر من اقتصادات العالم الآن تنتمي لبلدان غير ديمقراطية. كما أن مساهمة هذه البلدان في الدخل العالمي قد ارتفع من 12% إلى حوالي 33%، خلال السنوات القليلة الماضية. كما أنه على مدار العقد الماضي نجحت هذه السلطويات، خصوصا في الصين وروسيا، في رفع معدلات التحديث والتصنيع، وشهدت ارتفاعا ملموسا في معدلات الدخل الفردي، والتي وصلت إلى معدلات غير مسبوقة. ففي الصين، مثلا، هناك ما يقرب من حوالي 450 مليون شخص بمتوسط دخل سنوي حوالي 23 ألف دولار، وهو رقم كبير، مقارنة ببلدان أخرى ديمقراطية. وهو رقم قريب لمعدل الدخل الفردي في روسيا أيضا التي ارتفع الدخل الفردي فيها من حوالي خمسة آلاف دولار أواسط التسعينيات إلى ما فوق 20 ألف دولار عام 2017، أي أنه تضاعف حوالى أربع مرات في نحو عشرين عاماً. 

ولعل خطورة هذا النموذج التحديثي، ليست في أنه أصبح منافساً للنموذج الليبرالي الغربي، وإنما بالأساس لأنه يقوم على انتهاكاتٍ جسيمةٍ لحقوق الإنسان، واستخفافٍ بمسألة الحريات السياسية (حرية التعبير، حرية التجمع، حرية الصحافة،.. إلخ). كما أنه يقوم بدعم الأنظمة السلطوية في مناطق أخرى، كما الحال في المنطقة العربية وأفريقيا وشرق أوروبا وآسيا الوسطي. وهو نموذج يقوم على مبدأ "القمع مقابل التنمية"، ويبدو جاذباً لبعض الشعوب 

"لا يوجد مستقبل حقيقي أمام السلطويات الرأسمالية، لسبب بسيط، هو أنها تسير عكس منطق الأشياء، حتى وإن بدت متماسكةً مؤقتاً" والمجتمعات. وقد أطلق بعضهم على هذا النموذج مسمّى "الحداثة السلطوية". والأكثر من ذلك، لا يتم تصدير هذا النموذج إلى الدول النامية فحسب، وإنما أيضا إلى الدولة المتقدّمة. وعمليات القرصنة والحرب الإلكترونية التي نشهدها اليوم خير دليل على ذلك. فقد تدخلت روسيا في ديمقراطيات غربية كثيرة، وتلاعبت بعقول شعوبها عبر جيش من المارينز الإلكتروني، وتسعى جاهدة إلى إسقاط النموذج الغربي بالضربة القاضية. 

وقد تعرّض مقال سابق لصاحب هذه السطور لهذا النموذج، تناول مفهوم "القوة الخشنة"، كمقابل لمفهوم "القوة الناعمة" الذي صكّه عالم السياسة جوزيف ناي، والذي يشير إلى تصدير النموذج السلطوي إلى الصين وروسيا خارجياً، من خلال استخدام القوة الاقتصادية والتكنولوجية. وتزداد جاذبية هذا النموذج مع ارتفاع معدلات عدم العدالة في البلدان الغربية، خصوصا في الولايات المتحدة التي تعاني من هيمنة أقلية على الثروة، في ظل تخلي الدولة عن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، كالتأمين الصحي والتعليم الجيد، في مقابل الدعم الذي تقدّمه الأنظمة السلطوية الغنية لمواطنيها. وهو ما يجعل الديمقراطية، وما يرتبط بها من قيم الحرية والمواطنة وحكم القانون، غائبة عن سلم أولوياتهم. 

وإذا كان بعضهم قد أطلق على القرن العشرين "قرن الديمقراطية"، نتيجة تحوّل عدد كبير من البلدان من السلطوية باتجاه درجة من درجات النظم الديمقراطية، فإن آخرين يرون الآن أن هذا القرن قد انتهى، وأن القرن الواحد والعشرين سوف يكون قرن السلطويات الجديدة. يقولون ذلك وهم يشهدون انبعاث حركات اليمين المتطرّف التي انقلبت على ميراث العولمة التي رسّخت التعدّدية، والقبول بالآخر والهجرة طوال العقود الثلاثة الماضية. بل يتوقع بعضهم انبعاث الأيديولوجيا الفاشية من جديد، ولكن في ثوب آخر وبأدوات جديدة. 

وعلى الرغم من كل ما سبق، لا نزال نعتقد أن نموذج السلطويات الرأسمالية غير قابل للاستمرار، لأسباب كثيرة موضوعية، ليس أقلها أن معدلات النمو الاقتصادي الراهنة لن تستمر طويلاً. بل ستتناقص تدريجياً، خصوصا في ظل انشغال روسيا وانخراطها في صراعات كثيرة خارج أراضيها. كما أن الصين قد دخلت فيما يشبه حربا تجارية مع أميركا بقيادة دونالد ترامب، سوف تؤثر سلباً على أدائها في المستقبل القريب. بكلمات أخرى، لا يوجد مستقبل حقيقي أمام السلطويات الرأسمالية، لسبب بسيط، هو أنها تسير عكس منطق الأشياء، حتى وإن بدت متماسكةً مؤقتاً.

خليل العناني
 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha