في أزمة البصرة

بينما كانت الطبقة السياسية العراقية مشغولة تماما بمعاركها السياسية مع انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب في دورته الجديدة، كانت مدينة البصرة تشهد مواجهاتٍ داميةً بين قوى الأمن ومتظاهرين غاضبين. وإذا كانت التظاهرات تغلي في البصرة منذ أسابيع احتجاجا ضد النقص الحاد في المياه الصالحة للشرب، ورداءة الخدمات الأساسية والبطالة، فإنها وصلت إلى منعطفٍ خطيرٍ مع هجوم المحتجين على مقر مجلس المحافظة، ثم مبنى المحافظة الذي تم إحراقه. أما انشغال الأحزاب السياسية العراقية بأزماتها، أي توزيع المناصب الكبرى، فقد شكل دلالة واضحة للغاية على حجم أزمة التمثيل السياسي التي يعيشها العراق. 

كانت أزمة علاقة الشعب العراقي بسياسييه قد وصلت إلى مراحل متقدمة قبل احتجاجات البصرة أخيرا، فقد وصلت الجماهير العراقية حد اليأس وعدم الاكتراث، بل والعداء لكل من يشترك في الحكومة أو يزاول السياسة. لذلك جاءت نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية أخيرا التي جرت في مايو/ أيار الماضي متدنية جدا. الأرقام الرسمية وضعتها عند نسبة 45%، لكن صحافيين غطّوا الانتخابات ميدانيا في أكثر من منطقة أفادوا بأن النسبة الحقيقية كانت أدنى من ذلك بكثير. لم تقدّم الانتخابات حلا، بل بالعكس وضعت الطبقة السياسية أمام مشكلة أكبر، تمثلت صيغتها العامة في الضغوط الأميركية من أجل تجميع الدعم لرئيس الوزراء، حيدر العبادي، في سعيه إلى البقاء في منصبه لولاية ثانية من أربع سنوات في مقابل الضغط الإيراني الذي يريد استبدال العبادي بشخصيةٍ أخرى، تكون أكثر مقاومة للعقوبات الأميركية على طهران، وأقل تبعية لواشنطن.

تبدو القضايا التي يحتدم عليها الجدل السياسي بعيدة فعلا عن مزاج الشارع الذي من المفترض  

"أدارت الطبقة السياسية ظهرها للبصرة وركنت إلى الحل الأمني" أن العملية السياسية قامت من أجل تمثيله، فالعبادي مثلا حل ثالثا في الانتخابات، وعلى الرغم من الغضب من الطريقة التي تعامل بها مع أحداث البصرة، فإنه يبدو في موقع تنافسي قوي. يتمركز العبادي في ذلك الموقع، بسبب دعم من فاز بالمركز الأول، وهو تيار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر له، لكن الصدر الذي يرفع شعارات المقاومة والعداء للأميركيين يتلاقى تماما في دعمه العبادي مع الموقف الأميركي. في الجبهة المقابلة، اصطفّ حلفاء إيران، وتحديدا رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، وقائد الحشد الشعبي هادي العامري، مع أحزاب تدّعي تمثيل العرب السنة، في تلاقٍ غريبٍ أيضا بين خصومٍ سابقين. وفي ظل هذا الافتراق بين العرب، سنتهم وشيعتهم، يقف الكرد منتظرين انجلاء الغبار من أجل دخول الحكومة من موقع قوي يستعيد ما خسره الكرد، بعد محاولتهم الفاشلة لنيل الاستقلال العام الماضي. ينظر الناخب العربي الغاضب من القوة السياسية للكرد في عراق ما بعد 2003 قلقا إزاء هذا الاحتمال، بينما لا يبدو الناخب الكردي متأكّدا من أنه سينال مكسبا حقيقيا ينقذه من أزمة اقتصادية عمرها سنوات، كانت نتيجة الصراع بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان. تزيد كل تلك القضايا المربكة من اغتراب المواطن العراقي عن العملية السياسية التي باتت غير مفهومة، ومحكومة تماما بلعبة المصالح الضيقة للزعماء السياسيين، الباحثين عن مناصب لهم ولأحزابهم. بينما تحتل قضية توفير الخدمات الأساسية أعلى سلم الأولويات، بل سلم المعاناة للعراقيين، كما أن النقمة من الفساد الحكومي المستشري تتصاعد كل يوم في البصرة وغيرها. جرّب الناخب العراقي في الماضي صيغ اتفاق الزعماء من أجل تشكيل حكوماتٍ سمّيت حكومات الشراكة الوطنية التي تشترك فيها كل الأحزاب الفائزة بأي عدد من المقاعد في الحكومة، لكن تلك الصيغ لم تؤدّ إلى حكمٍ رشيد، يوفر الخدمات ويلجم الفساد. 

تتركّز في محافظة البصرة معظم ثروة العراق النفطية، وفيها موانئه وإطلالته الوحيدة على

"لا يبدو الناخب الكردي متأكّدا من أنه سينال مكسبا حقيقيا ينقذه من أزمة اقتصادية عمرها سنوات" الخليج، بالإضافة إلى الحدود التي تربطه بدولتين بإيران والكويت. أزمات البصرة كثيرة، لكن قضية شحّ مياه الشرب النظيفة وصلت أخيرا إلى حدود الأزمة. وبعد أن فشلت سلسلة من الاجتماعات والتصريحات التي صدرت من الحكومة العراقية، ومن الحكومة المحلية في تقديم حلولٍ ترضي البصريين، ازداد غضب المحتجين، بينما جابهتهم القوى الأمنية بالرصاص الحي.

وإذا كانت الطبقة السياسية قد أدارت ظهرها للبصرة، وركنت إلى أن الحل الأمني سيحسم الأمور فيها، فإن المرجعية الدينية الشيعية، صاحبة النفوذ الاجتماعي في جنوب العراق ذي الغالبية الشيعية، كانت قد طالبت المتظاهرين أخيرا بالصبر حتى تشكيل الحكومة الجديدة، ثم الحكم عليها وعلى أدائها. أثبتت الأحداث واستمرار تدهور الوضع الإنساني في البصرة أن الصبر غير ممكن، حتى أن زيارة ممثل المرجعية، أحمد الصافي، البصرة لم تؤدّ إلى أي انفراج للتوتر، بل استمر العنف بالتصاعد. 

ليس هناك أي حل سهل أو سريع لمشكلات البصرة، لكن الأزمة أخيرا كشفت وجوها عديدة لعدم الاكتراث المتبادل بين القوى السياسية المتحكّمة وقطاعات جماهيرية واسعة، في بلدٍ يعيش ربع سكانه أو أكثر تحت خط الفقر. لا يبدو أن الطبقة السياسية العراقية قلقة من أن تؤدي احتجاجات البصرة إلى انهيار النظام السياسي العراقي، ربما يكون ذلك صحيحا، ربما لم تحن بعد ساعة وفاة ذلك النظام، لكن حياته أيضا لن تكون طويلة، طالما ازداد انفصاله عن الناس وأزماتهم.

رافد جبوري

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha