هل يمكن الاستغناء عن البرلمانات العربيّة؟

هل يمكن الاستغناء عن البرلمانات العربيّة؟

هو سؤال فانتازي من الواقع العربي، يمكن الإجابة عنه باتّباع منهج الملهاة التي نعيشها في أوطاننا العربية، من دون أن تسبب لنا السعادة أو الفرح، بل التعاسة والكَمَد، كما يمكن الإجابة عنه بكل الرصانة العلمية والبحثيّة، والتي قد توصلنا إلى النتيجة نفسها المترتّبة على اتباع الطريقة الهزليّة، أي إلى إمكانيّة الاستغناء عن هذه البرلمانات. وتاليا إضاءات على ثلاثة برلمانات عربية في قوسِ دائرةٍ مركزها نقطة التقاء الحدود السورية - العراقية - الأردنية، وكانت لهذه البرلمانات في الأشهر القليلة الماضية مواقف متفاوتة في التأثير، حيث كان يجب أن يكون لها تأثير حاسم.

اتخذ البرلمان العراقي قراراً حازماً تجاه المفوّضية العليا للانتخابات، أجبر إثره الحكومة على مجاراته، وتشكيل لجنة لدراسة أمر التجاوزات الخطيرة المزعومة في الانتخابات، وإحالة الملف، من حيث النتيجة، إلى القضاء المختص.

وبغضّ النظر عن دستورية قرار البرلمان من عدمها، وهل تقع الهيئة العليا للانتخابات تحت ولايته الرقابية أم لا، وبغضّ النظر عن مدى صحة موادّ الدستور التي شُكّل البرلمان على أساسها، ومطابقتها المعايير العالمية، من حيث الشفافية والنزاهة والتجرّد، وبغض النظر عن الخوض في أسباب البرلمانيين وكتلهم، والتي دفعت إلى اتخاذ هذا القرار، فإنه يمكن القول إن البرلمان تصدّى لحالةٍ ظهر فيها احتمال وجود خطأ أو خلل أو تجاوزات أو انتهاكات، مهما كانت تسميتها، على درجة من الخطورة، جعلت غضّ الطرف عنها أمراً صعباً.

إذاً، تحرّك البرلمان ليمارس بعضاً من سلطاته، أو صلاحياته المفترض أنه يتمتّع بها بموجب 

"البرلمانات هي الساحة الأولى لمزاولة السياسة والديمقراطية، والدفاع عن مصالح الناخبين" الدستور الناظم لشؤون البلاد، وليست مهمّة النتيجة التي ستصل إليها تحرّكاته، بقدر ما كانت قيمة هذه التحرّكات ورمزيتها دالّةً على أنّ هناك، فعلاً، نوعاً ما من تقاسم مراكز القوى، وتوزّعها الفعلي بين البرلمان والحكومة والقضاء، باعتبارها مؤسسات أو سلطات رئيسة في أية دولة.

يمكن ببساطة أن يُعزى الأمر إلى التركيبة التي بموجبها قام نظام الحكم الحالي في العراق بعد الاحتلال الأميركي، فهي وإن لم تكن كما يشتهي العراقيون، ولم تكن على أرقى المستويات التي تستحقها بلادٌ أنتجت قانون حمورابي، أقدم إنجاز مكتشف في هذا المجال للبشرية جمعاء، لكنّها مع ذلك كانت أفضل حالاً بما لا يُقاس من أيام حكم الرئيس صدام حسين، وما سبقه من أنظمة انقلابية عسكرية.

في المثال الثاني، يعجز البرلمان الأردني المنتخب على أساس نظام القوائم لأوّل مرّة منذ العام 1989، (130 مقعداً من 23 دائرة انتخابية)، عن الوقوف أمام الحكومة، وعن اتخاذ موقف يتماشى مع مطالب ناخبيه.

كانت أبرز الانتقادات لنظام التصويت الفردي الذي ساد 26 سنة، قبل اعتماد نظام القوائم في العام 2016، أنه لا ينتج برلماناً بصبغة حزبية أو سياسية، فماذا فعل نوّاب القوائم؟ نتيجة دراسة أعدّها مركز راصد، فإنّ نسبة 43،5% من القوائم بنيت على أساس تحالفات عشائرية، ونسبة 39،1% على أساس مُستقل، ونسبة 11% تحالفات حزبية وعشائرية، ونسبة 6،4% على أساس حزبي بحت. وتقود هذه الدراسة، إضافة إلى المعرفة بطبيعة المجتمع الأردني القائمة على احترام المكوّنات العشائرية، وإعطائها مجالاً لا بأس به من ساحة الفعل، إلى الاعتقاد أنّه يُفترض بتأثير هذا البرلمان أن يكون متناسباً وتطلّعات الناس الذين انتخبوا نوّابهم فيه، لكنّ الاحتجاجات والتظاهرات التي شهدتها المدن الأردنية في يونيو/ حزيران الماضي، وقبله، والتي قادتها النقابات المهنية ضد قانون الضريبة الذي تقدّمت به حكومة رئيس الوزراء المقال، هاني الملقي، تدلّ على عكس ذلك.

يقع الأردنّ الفقير بالموارد، والضعيف اقتصاديّاً، بين مطرقة البنك الدولي الذي يشترط عليه رفع الدعم عن المواد الأساسية ليقدّم له القروض وسندان حصار مفروض من أشقاء عرب بإرادة منفردة لأسباب سياسية. وبسبب الظروف الموضوعية التي تسبّبت بها الأوضاع في العراق وسورية، دفعت هذه الضائقة الحكومات المتعاقبة إلى تحميل العبء الاقتصادي على الناس، من خلال الضرائب المباشرة وغير المباشرة.

كان مفترضا أن يتصدّى نوّاب الشعب لمساعي الحكومات، ويطلب منها إيجاد بدائل أخرى غير الاتكاء على جيوب الناس الذين ضاقوا ذرعاً بالضرائب، وقلّة فرص العمل، إضافة إلى تذمّرهم الكبير من المحسوبيات والفساد والهدر في مؤسسات الدولة. وليس من المصادفة أن تنتشر أخيرا طرائف تتندّر على النواب، وتحسب معاشاتهم، وتقارن إنتاجيتهم، والحاجة لهم بمقابل، فيما لو تم الاستغناء عن خدماتهم، وشراء أبقار حلوب ترفد الاقتصاد الأردني بالمواد وفرص العمل بقيمة رواتبهم وتعويضاتهم!

أثبت الأردنيون أنهم أكثر تقدّماً من نوّابهم المنتخبين، وأكثر وعياً وقدرة على التعبير عن أنفسهم ومصالحهم. والاقتراع القائم على أسس عشائرية أو بموجب اصطفافات ما قبل وطنية لا تجيء بأفضل الموجود، لأن الاختيار لا يكون على أساس الكفاءة، بل الولاء للعشيرة، ولاعتباراتٍ أبعد ما تكون عن التخصص والخبرات والإحساس بالمسؤولية الوطنية، فأين المصلحة إذاً في الانتقال إلى نظام القوائم، وما القيمة المضافة التي تحقّقت باعتماد النظام الفردي؟

النموذج الثالث، البرلمان السوري الذي يبدو أنه استقال من مهامه تدريجيّاً منذ جاء حافظ الأسد، وفصّل الدستور على مقاسه، وأعطى لنفسه سلطة التشريع. وكثيرة هي الحوادث التي يتذكّرها السوريون مما شاهدوه أو سمعوه أو قرأوا عنه تحت قبّة هذا البرلمان، وعلى العكس من مواقف كان يرفض فيها البرلمان تحمّل خزينة الدولة دفع تكاليف إصلاح سيارة رئيس الجمهورية الوحيدة التي كان يضطرّ أحيانا لدفعها بالتناوب مع سائقه، أيام فترة الحكم الديمقراطي، أما الآن فالبرلمان مثل مسرح الدمى، يطبّل ويزمّر للقائد الرمز الذي جمعه زبانية مخابراته على عجل، لإقرار تعديل سنّ رئيس الجمهوريّة في خمس دقائق، ليتناسب ومقاس الابن الوريث.

من جديد مشاهد الفانتازيا تلك التي أنتجت القانون رقم 10 الذي أقره مجلس الشعب في جلسته   في 19-3-2018، من دون اعتراض من أي نائبٍ كان، والذي أصدره بشار الأسد للاستيلاء على أملاك السوريين الذين قتلهم واعتقلهم وهجّرهم.

ثلاثة مستويات مختلفة لبرلمانات عربية تدفع إلى القول إن بعضها حتماً لم يتجاوز دوره الديكور التجميلي لبناء الاستبداد، وبعضها ليس في مقدوره أن يمثّل الناس الذين انتخبوا أعضاءه، لكونه وجد بطريقة تجعله مفصّلاً لتحقيق مصالح فردية، لا تتجاوز ابن العشيرة أو العشيرة ذاتها وإطارها الضيّق في أحسن الأحوال، وبعضها يحاول أخذ دوره، على الرغم من معوّقات بنيوية كثيرة تحيط بمجمل البلد وبمجمل العمل السياسي والبرلماني فيه. وبغضّ النظر عن مآلات الأوضاع وتطوراتها في كلّ من هذه البلدان، بعد زيارة ملك الأردن مكّة المكرّمة، وبعد إحراق مراكز اللجان الانتخابيّة في العراق، وفشل البرلمان في تحديد الكتلة النيابيّة الأكبر، ولجوء رئيسه المؤقّت (أكبر الأعضاء سنّاً محمد علي زيني) إلى المحكمة الاتحادية للفصل بهذه النقطة، يبقى المثال على حاله شاهداً على العصر.

يبقى أن لا يُنسى أن البرلمانات هي الساحة الأولى لمزاولة السياسة والديمقراطية، والدفاع عن مصالح الناخبين وتمثيلهم، ومراقبة اعوجاج السلطة وانحرافاتها، وبالتالي فإن السؤال في العنوان أعلاه قد يأخذ المشروعية، باعتبار بلداننا تعيش خارج حركة التاريخ والحضارة منذ زمن بعيد، وقد لا يسعنا، مع هذا التسارع الرهيب في تطوّر البشرية، استدراك ما أصابنا من فوات معرفي وحضاري هائلين

حسان الأسود

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha