ذكريات من سفرية مشبوهة

بعد الثورة المصرية عام 2011 كان هناك شغف كبير لدى الدوائر الغربية (الرسمية والأكاديمية والإعلامية والشعبية) لمعرفة المزيد عن تلك الثورة وأسبابها وطبيعة المجموعات التي ساهمت في انطلاق شرارتها. ولذلك كانت هناك دعوات عديدة، من مراكز بحثية غربية أو جامعات أو برامج تابعة لجهات ديبلوماسية، لمجموعات أو شخصيات كان لها دور معروف. وفي هذا الإطار، سافرت لتلبية بعض تلك الدعوات في الأعوام الثلاثة التالية لقيام الثورة، للحديث عن تجربة الحركات الاجتماعية في مصر، أو للرد على أسئلة صحافية وأكاديمية عن الوضع السياسي في مصر، أو عن مستقبل الحركات الشبابية التي كان لها الدور في إشعال الفتيل، وباقي تلك الموضوعات التي كانت حديث الساعة ومصدر إلهام لشباب العالم وقتها.  كان أنصار الرئيس المخلوع، حسني مبارك، وأنصار المجلس العسكري، يطلقون على ذلك النوع من السفريات "السفريات المشبوهة". يستخدم بعض المغرضين وأنصار عبد الفتاح السيسي اليوم هذا المصطلح، فهم يرغبون في احتكار كل شيء، المعرفة والمنح التعليمية والحوار مع الدوائر الغربية بكل تنوعاتها، رسمية كانت أو أكاديمية أو إعلامية أو شعبية. وبالنسبة لي، لا أخجل من سفرياتي السابقة، ولا من تواصلي مع شخصياتٍ أكاديمية أو إعلامية او تاريخية في الغرب. ولا أعتبر ذلك عيبا يحتاج المواربة، بل أعتقد أن من المفيد الانفتاح على الجميع، وعدم اعتبار ذلك حكرا على السلطة الحاكمة. 

"في عام "الإخوان" كانوا يتجاهلون أي رأي توافقي، ويفرضون إرادتهم في النهاية، ولكن كان هناك نقاش ونقد، حتى لو كان صورياً"

دعيت، عام 2011، ضمن وفد من ممثلي الحركات الشبابية للسفر إلى بولندا، بهدف التعرّف أكثر على تجربة الثورة البولندية 1989، ودراسة مرحلة المائدة المستديرة، وكيف حدث الاتفاق بين سلطات الحزب الشيوعي والمعارضة وقادة الثورة على الانتقال السلمي للسلطة، والتحول الديمقراطي، ثم كيف بدأت المرحلة الانتقالية التي قادت بولندا إلى مزيدٍ من الديمقراطية والتقدّم. والتقيت في الزيارة مع المناضل الثوري، ليخ فاونسا، عامل الكهرباء الذي قاد "حركة تضامن"، وأصبح أول رئيس لبولندا بعد الثورة. وقابلت كذلك عديدين من قادة الحركة. وتعرفت على تجربة الحكم المحلي في بولندا، وزرت جلسات واقعية للمجالس المحلية في وارسو وجدايسك، وشاهدت كيفية مشاركة الجمهور والسكان ومنظمات المجتمع المدني في تقديم اقتراحات، وطرحها للمناقشة والضغط من أجل الموافقة عليها، فبولندا اتجهت نحو اللامركزية الإدارية والمالية في الحكم المحلي، وإعطاء فرصة أكبر للمشاركة الشعبية، وهو ما ساهم بنسبة كبيرة في نهضتها الحالية، فللمجالس المحلية للمدن والمقاطعات الحق في تقرير موازناتها وميزانياتها حسب احتياجات السكان ومصالحهم. ويكون الأعضاء بالانتخاب الحر، بجانب إمكانية المشاركة الشعبية والرقابة الشعبية على المجالس المنتخبة. وقبل اتخاذ قرار مهم في المدينة، تكون هناك فترة كافية للنقاش المجتمعي، ويتم السماح للجمهور بحضور الجلسات، وكذلك متابعة التصويت. وفي أحيان كثيرة، يتم طرح الأمور المصيرية أو الخلافية للاستفتاء العام. 

وفي 2012 و2013، عندما كانت المجموعات الثورية أو المجتمع المدني يتحدثون عن فكرة الرقابة الشعبية على المجالس المنتخبة، رفض "الإخوان المسلمون" هذه الفكرة، وكان بعضهم يقول لنا: ليس لكم الحق في ذلك، فالشعب انتخبنا، ولنا الحق أن نفعل ما نشاء، حتى موعد الانتخابات القادمة.. وقد اتضح هذا كثيرا في دستور 2012، وقد حضرت نقاشاتٍ عديدة في الجمعية التأسيسية لوضعه، وكنت عضوا فيها، وكان رأي الاغلبية الإخوانية إن اللامركزية والحكم المحلي غير موائمين لمصر حاليا، ويجب الاحتفاظ بجوهر النظام المركزي وسلطات رئيس الجمهورية في تعيين المحافظين ورؤساء الأحياء، وليس بالانتخاب الحر، كما هو مرغوب من القوى الشبابية والثورية، وذلك حتى ينفّذوا برنامج الرئيس وتحقيق مشروع النهضة. وبناء على ذلك، تم الاحتفاظ بالطبيعة المركزية لنظام الحكم وللسلطة التنفيذية. وكان هناك رفض شديد من جماعة الإخوان المسلمين لفكرة الحكم المحلي، وإمكانية انتخاب المحافظين ورؤساء الأحياء. وكان دستور 2012 لا يختلف كثيرا عن دستور 1971 في منح سلطات مقيدة للمجالس المحلية المنتخبة في مراقبة المسؤولين التنفيذيين في المحليات. 

زيارة سريعة للمنافذ الحكومية في مصر لمعرفة كم الفساد والفشل الإداري المستمر منذ عشرات السنين، المنظومة في غاية المركزية، والإدارات المحلية غارقة في الفساد والبطء، الموافقات الحكومية والتراخيص تحتاج مئات من الإجراءات والزيارات واللوائح المعقدة  

"دستور عام 2014 لا يتم احترامه، ونظام الإدارة المحلية في مصر أصبح أشد في درجة المركزية من قبل" والمتداخلة. وهذا يتطلب تدخل الوساطات والاستثناءات والاتصالات توفيرا للوقت. وإذا كنت لا تملك ذلك النفوذ، فأنت تحتاج حيلا ورشاوى كثيرة، لها عدة مسميات في مصر، مثل " الشاي والحلاوة".. لم يتغير أي شيء في منظومة إدارة الدولة، على الرغم من كل ما حدث، وعلى الرغم من هذا العدد من الشهداء والمعتقلين، فالحفاظ على ذلك الفشل يطلق عليه أنصار النظام مصطلح "الحفاظ على الدولة"، يرتعبون من فكرة اللامركزية وحرية الإبداع والتفكير من خارج الصندوق، يكرهون كلمات مثل "الإصلاح"، ويعتبرونها مؤامرةً لتدمير المؤسسات وهدم المعبد، وكل من يحاول التعلم من التجارب الناجحة، أو يحاول نقل الخبرات إليهم، وتطوير طرق الإدارة، يعتبرونه متآمرا لديه أجندات أجنبية، ولديه تاريخ من "السفريات المشبوهة". 

أتذكر تلك المبادرات التي تم طرحها في ثورة 2011 من شبابٍ مخلص، لا يرغب إلا في الإصلاح. مبادرات وأفكار لدعم اللامركزية والإصلاح الإداري ودعم الشفافية والحكم الرشيد ومكافحة الفساد. مبادرات لدعم المشاركة الشعبية والمساءلة والمحاسبة كانت كفيلةً بوضع مصر على الطريق الصحيح وحسن استغلالها مواردها وثرواتها، لكن الجميع أخطأ وأضاع الفرص المتوالية، فعاد النظام القديم ليشوه كل تلك الأحلام، ويعكس المعايير، فأصبح الحالم بالإصلاح هو الخائن والمخرّب، أما اللص والفاسد والمطبع مع الصهاينة فأصبح الوطني الذي يحافظ على الدولة.

أحمد ماهر

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha