تحدّيات راهنة للسترات الصفراء

يتطوّر حراك السترات الصفراء في فرنسا بديناميّة وسرعة مثيرتين للانتباه، وبطريقةٍ تدفع إلى التنبؤ بأن اللون الأصفر لن يغادر المشهد بسهولة، قبل أن يترك بصماته في الفضاء العام الفرنسي، فمنذ انطلاقة الاحتجاجات في منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، لم تنجح محاولات الرئيس إيمانويل ماكرون العديدة في الالتفاف على هذا الحراك ونزع أنيابه؛ لا بل على العكس، فهي زادت من جذريّته، وغذّت فيه عوامل تكفل استمراريته. ستحاول هذه المقالة الوقوف عند أبرز التطورات والديناميات التي استجدت على هذا الحراك، بعد دخوله في الشهر الثالث، والتي تعتبر محدّدة وحاسمة في رسم مآلات هذا الحراك، ومدى قدرته على تشكيل علامةٍ فارقةٍ في مستقبل فرنسا.

أوّل هذه التطّورات هو دخول الحراك في مرحلة الانتظام والفرز على المستوى الوطني، وهذا يتضح من خلال متغيّرين مترابطين: الأول، بروز نجم مجموعة شبابيّة رياديّة، تنشط بشكلٍ مستمر على الأرض، وفي الشبكات الاجتماعيّة، وتتفاعل مع الجموع المنتفضة، تُلهمها وتؤطر غضبها من خلال فتح حواراتٍ مستمرةٍ، واختبار كلِّ آليات الضغط الممكنة. تحاولُ هذه المجموعة الشبابيّة تقديم خطابٍ جامع، والبقاء على مسافةٍ واحدةٍ من كل القوى السياسيّة المعارضة، سواء بتجاهل المسائل الخلافيّة، أو تبنّي الغموض البنّاء تجاهها. فهم يقدمون أنفسهم على أنهم "لاسياسيون"، ولا يفصحون عن أفكارهم وتوجهاتهم الشخصيّة؛ وإنما يصرّون على أنهم مجرّد "سُعاة بريد" لهذا الحراك، يحاولون فقط إيصال رسائله إلى الطبقة الحاكمة. إلا أنَّ التمعن في خطاباتهم وممارساتهم يُظهر أنهم يعبّدون الطريق أمام دخولهم المعترك السياسيّ  

"بدأ الفرزُ بين من يريد الحفاظ على الطابع الشعبي، وبين من اقتنع بأهميّة الانخراط الفوري باللعبة الديمقراطية" فواعل مستقبلية، يمكن أنْ يكون لها دور في لحظةٍ وسياقٍ مناسبين. أما المتغيّر الآخر، فيرتبط بالاستقطاب - الجذب/ النفور- حول روح مبادرة السترات الصفراء ذات الطابع الشعبيّ؛ فقد بدأ الفرزُ بين من يريد الحفاظ (في الوقت الراهن) على هذا الطابع، والنأي بالحراك عن طاحونة المؤسسات التي تتوق لصهر السترات الصفراء في مرجلها، ومن اقتنع بأهميّة الانخراط الفوري باللعبة الديمقراطية، وشكّل بناءً على ذلك أحزاباً أو تنظيمات، قد تشارك بلوائح معينة في انتخابات البرلمان الأوروبي المزمع عقدها في مايو/ أيار المقبل. يشكلُ هذا الاستقطاب تحدّياً مرحليّاً مهما للحراك الشعبي، قد يُشتته ويبعثر قواه، أو يُقويه ويزيد من زخمه؛ وهذا يعتمد على مدى قدرة "السترات الصفراء" على تجديد طاقتها الاحتجاجيّة وصقل مطالبها، وابتداع أشكالٍ جديدةٍ من الفعل والضغط لإحداث قوّة جذبٍ تستوعبُ طاقاتٍ وأطرافا جديدة. 

يرتبطُ التطّور الثاني المحدّد لسيرورة حراك السترات الصفراء بالعنفِ المنفلت الذي خرج أخيرا من إطار العنف التقليديّ الذي قد يرافقُ أي حركة احتجاجيّة شعبيّة، من أعمال شغبٍ وتخريبٍ للممتلكات العامة والخاصة؛ ليصبحَ عنفاً مقلقاً وموجهاً ضد أشخاصٍ بعينهم. بكلماتٍ أخرى، انتقل هذا العنف من دائرة رد الفعل إلى دائرة الفعل. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في منسوب العنف المستخدم ضدَّ نوابٍ أو شخصياتٍ في حزب الرئيس ماكرون، أو ضدَّ صحافيين ومراسلين يعملون في وسائل الإعلام المتنوّعة. وقد تدرّج هذا العنف بين منعِ المراسلين من تغطية المظاهرات، أو ضربهم وتكسير معدّاتهم، ما اضطرَّ بعضهم للاستعانة بحراسٍ شخصيين في أثناء تغطيةِ المظاهرات، ليصل إلى رسائل تهديد بالقتل لبعض النواب وعائلاتهم، أو إطلاق الرصاص بالقرب من أماكن سكنهم. قد يؤدي السكوت عن هذا الشكلِ الصارخِ للعنف، وعدم اتخاذ "السترات الصفراء" موقفاً واضحاً منه إلى نفورٍ شعبيٍّ من الحراك. وهذا قد يُضعف ديناميّة الحشد التي تعتمدُ على صورة "المحتجّ الضّحية" للعنف البوليسي المفرط؛ لا بلْ يمكن أنْ يعطي الذريعة للسلطات الأمنية في التوسّع في استخدام العنف وشرعنته. 

أما التطّور الثالث فيرتبط بتبدّل ديناميّة الحشد في الشبكات الاجتماعيّة، وخصوصا "فيسبوك" (وهو الاكثر استخداماً)؛ بحيثُ انخفض مستوى التفاعل في المجموعات المحليّة المغلقة إلى درجةِ اختفاءٍ بعضها من اللوحة الافتراضيّة، بينما تكثّف التفاعل في عددٍ محدودٍ من الصفحات المفتوحة التي استقطبت عدداً لا بأس به من المستخدمين. إذاً، بدأ حراك السترات الصفراء في الحيّز الافتراضيّ بالانتقال من ديناميّة حشد محليّةٍ مبعثرةٍ باتجاهِ ديناميّةٍ أكثر تمركزاً وشمولاً على المستوى الوطني. أتاحت هذه الديناميّة توسيعَ قنوات التواصل بين جموع المحتجيّن وتكثيفها من جهة؛ وبينهم وبينَ المجموعة الشبابيّة التي بدأت تعمل كأنها "دينامو الحراك"، من جهةٍ أخرى. كما أدّتْ هذه الديناميّة إلى رفعِ نِسَبِ مرئيّة الحراك على مستوى الشبكات

"شهدت الأسابيع الأخيرة ارتفاعاً في منسوب العنف المستخدم ضدَّ نوابٍ أو شخصياتٍ في حزب الرئيس ماكرون" الاجتماعيّة وإبراز ثقله العددي؛ فقد وصل عدد المشتركين في أكبر تلك الصفحات المُسمّاة "عداد السترات الصفراء الرسمي" (Compteur Officiel De Gilets Jaunes) إلى حوالي 2.8 مليون متابع منتصف يناير/ كانون الثاني 2019. إلا أنها بعد أربعة أيام، خسرت حوالي مليون متابع دفعةً واحدة، بسببِ تحديثٍ جديدٍ في خوارزميات "فيسبوك" الذي قرّر بشكلٍ مفاجئ حذف كلّ عضو في مجموعة "فيسبوك"، لا يشارك فيها أبدا (صحيفة لوموند، 19/1/2019). 

هذا، وتحاولُ السترات الصفراء استغلال الجانب التقنيّ/ الاجتماعيّ لـ "فيسبوك" بشكل أوسع، سواءَ من خلال فتح باب المشاركة للجميع، أو طرح أفكار للتصويت، أو من خلال ممارسة "تنظيم حدث" (Event)، يحدّد توقيت التظاهر ومكانه، أو من خلال ميزة البث المباشر. وهناك تركيزٌ كبيرٌ على هذه الممارسة الأخيرة، وخصوصا من المجموعة الشبابيّة الذين يقضي بعضهم أحياناً ساعاتٍ للتبادل مع متابعيه من المحتجيّن. قد تكون هذه الممارسة مهمّة في إحداث تبادلات وحوارات بين جموع المنتفضين؛ إلا أن التحدّي الأهم أمام الحراك الآن يتمثل بقدرته على إنتاج مادةٍ إعلامية خاصة به، تعمل كإعلام بديل أو موازٍ للإعلام التقليديّ المتهم بانحيازه وانتقائيته في تغطية أخبار السترات الصفراء.

إذاً، لا يزال حراك السترات الصفراء في تطوّرٍ وتبدّل مستمرين يدلّان على حيويّة الجموع المنتفضة، ووفرة في رصيدها المحفّز؛ إلا أنها، في الوقت نفسه، أمام تحدّياتٍ راهنة مهمّة، ستكون مقرِّرة في تحديدِ مساراتِ الحراك ومآلاتهِ المستقبليّة.

وسام الناصر

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha