مخاطر التعليم الديني الموازي في تونس

كشف تحقيق إعلامي، بثته إحدى القنوات التونسية الخاصة، قبل أيام، عن وجود "مدرسة قرآنية" قي قرية الرقاب (300 كلم متر عن العاصمة)، تابعة لمحافظة سيدي بوزيد، الجهة التي انطلقت منها الثورة، وما زالت قراها وأريافها تعاني من التفاوت الجهوي المجحف، وغياب تنمية عادلة تلبي حاجات ساكنتها. تؤوي المدرسة 45 طفلاً، أعمارهم بين عشر سنوات وثماني عشرة سنة، يقيمون بصفة مسترسلة في المدرسة (مبيت مدرسي وجوبي) ويتلقون ما يوصف "تجاوزاً" العلوم الشرعية، في غياب تام لأي مواد تعليمية أخرى، كالأدب والرياضيات والرسم مثلاً. يؤمن التدريس دعاة ومشايخ ليس لهم أي تكوين علمي مشهود به، ولا يعرف لهم وجاهة أو ورع في مجتمعهم المحلي.

يقوم النظام التعليمي، حسب تصريحاتٍ أدلي بها إلى السلطات القضائية والمنظمات الوطنية المعنية بشأن الطفولة، وهيئات وطنية أخرى (الهيئة الوطنية لمكافحة المتاجرة بالبشر، الهيئة الوطنية لمكافحة التعذيب، مندوب حماية الطفولة..) على مبدأ عزل الأطفال عن محيطهم الاجتماعي، بما فيه العائلي، وتلقينهم مواد ومعارف تلقيناً يخلو من أي حوار أو تفاعل، ضمن منهج دوغمائي، فيه كثير من الدمغجة (غسيل دماغ)، أي العسف الأيديولوجي على طفولتهم المبكّرة. تغيب في المدرسة أي علامات للحداثة الغربية التي تعد "بدعة"، على غرار الساعة الحديثة، الثياب مثل القمصان والبنطلون والأحذية، لتعوض بجلابيب مستوحاة من أزياء آسيوية (الزيين الأفغاني والباكستاني..)، كما يتلقى هؤلاء دروسا في الرياضات الشاقة، علاوة على حرمانهم من الأكل، و"تعذيبهم" أحيانا تدرّبا على المجاهدة والجهاد. وقد فوجئ الرأي العام، عندما احتج آباء التلاميذ على إغلاق المدرسة وإيداع أبنائهم في مركز إدماج الطفولة. كان الآباء أكثر تطرّفا وانغلاقا من أبنائهم.

في المدرسة التي أقيمت على شكل دير قروسطي، تظل الشمس ومواعيد الصلاة ميقات الزمن الوحيد المعتمد، وهو الذي يحدّد إيقاع الحياة فيها. من خلال اتصالاتٍ أجريت مع هؤلاء الأطفال، يبدو أن لغة التكفير بدأت واضحة وراسخة في قيم الأطفال ونظرتهم إلى ذواتهم وللآخرين، حتى بدا لديهم كأن العالم الخارجي، مجتمعا ودولة، متآمرٌ عليهم وخصم لهم. تم تركيز تعليم موازٍ استطاع في غفلةٍ من الجميع بناء مجتمع صغار/ مصغر مواز لا يمت قيما ومعايير للمجتمع الأصلي. 

سرعان ما تحوّلت المسألة إلى قضية رأي عام، بعد أن سارعت الحكومة، فورا، إلى إيقاف المشرفين على هذه المدرسة، وإحالتهم على القضاء، وإيداع الأطفال على اعتبارهم ضحايا في أحد المراكز النفسية الاجتماعية الخاصة بإحاطة الأطفال في إحدى ضواحي العاصمة... وتدخلت الحكومة لاحقا لتقيل محافظ الجهة وعدة مسؤولين محليين في المنطقة وغيرها التي ثبت فيها وجود مثل هذه المدارس، واعتبرت الحكومة أن هؤلاء قصّروا تقصيرا فادحا وخطيرا مسّ التماسك المجتمعي، علاوة على الخروق القانونية والمخاطر الأمنية الواردة.

ولم تسلم المسألة من توظيفات إعلامية وسياسية، وحتى أيديولوجية، تم فيها توجيه التهمة كالعادة إلى حركة النهضة، وهي التي سارعت إلى التنديد بهذه المدرسة، كما رفع بعضهم لافتة المطالبة بهوية تونسية خالية من الإسلام مطلقا. ومن دون نسيان اتهام رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، وحكومته بالتغافل عن هذه الآفات التي لم تنهش الطفولة، بل أحدثت شرخا في هويةٍ وطنيةٍ، خلنا أن المدرسة التونسية صانعتها وضامنتها الوحيدة. 

من المهم التذكير أن هذه المدارس ظاهرة طارئة على المجتمع التونسي الذي لم يعرف نظيرا 

"لن يقبل التونسيون أن ينشأ تعليم مواز، خارج عن سلطة الدولة" لها إلا بعد الثورة، وهي جنس غريب عما عرفه المجتمع التونسي سابقا، حيث ازدهرت مدارس التعليم التقليدي خلال القرنين، الثامن عشر والتاسع عشر، ازدهارا ملحوظا (العاشورية والباشية والعصفورية والشماعية والسليمانية...). وكانت عادة تحمل أسماء آراء أو ملوك (بايات) كانوا وراء إنشائها، وكانت تدرس التفسير والفقه والبلاغة. ومع استقلال البلاد، وحل الأحباس وإلغاء التعليم الزيتوني، تم إغلاق جميع تلك المدارس، غير أنه تم الترخص للكتاتيب في مواصلة تنشئتها الأطفال الراغبين في ذلك، بالموازاة مع التعليم العمومي الإلزامي.

لم تكن هذه الكتاتيب تشكل تعليما موازيا عمليا، بل تكملة لتربية أطفال العائلات الراغبة في ذلك، لكنها لم تشهد إقبالا ملحوظا لأسباب عديدة. وظلت منحصرة في أوساط اجتماعية شعبية، غير أنه لوحظ، بداية من الألفية الجديدة، نشوء جيل جديد نافس الكتاتيب، وهي "الروضات القرآنية"، أي مؤسسات تعليم خاص، تحتضن الأطفال في فترة ما قبل التمدرس، وهي مزيج  

"لم تعرف مثل هذه "المدارس القرآنية" إلا في السنوات الأخيرة، في ظل الفراغ التشريعي والقانوني" من تحفيظ القرآن والتفسير، وأنشطة على غرار الرسم. وقد صدرت عن بعض هذه المؤسسات تجاوزاتٌ تربوية، ما استدعى تدخل الوزارات المختلفة، عبر هياكلها الرقابية. وكان للإعلام والمجتمع المدني دور مهم في الكشف عن تلك التجاوزات.

لم تعرف مثل هذه "المدارس القرآنية" إلا في السنوات الأخيرة، في ظل الفراغ التشريعي والقانوني الذي يحدد منزلتها القانونية وأهدافها وبرامجها، علاوة على تمويلها وأهلية مدرسيها، وسلطة الإشراف التي تنضوي تحتها (وزارة الشؤون الدينية، وزارة المرأة والطفولة، وزارة التربية...)، فضلا عن ضرورة احترام حقوق الطفل التي نص عليها الدستور والتشريعات الوطنية والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها الدولة، حتى لا تتحول تلك المؤسسات إلى تعليمٍ موازٍ يحرّض على العنف والكراهية، وقد تكون محاضن للإرهاب.

في مجتمعٍ، ظل تحت وصاية الدولة، فيما يشبه الصفقة التاريخية للتحديث، لن يقبل التونسيون أن ينشأ تعليم مواز، خارج عن سلطتها، فضلا عن مخاوف حقيقية من أن تشكل جزرا للتطرّف والإرهاب. ستظل المدرسة التونسية، على الرغم من كل عيوبها، صانعة هويتهم المشتركة، وأرضيتهم الصلبة التي يلتقون عندها... لذلك حقّ لهم كل هذا الفزع من مدارس للأسف شوهت القرآن والإسلام، قبل أن تشوه الأطفال.

المهدي مبروك

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha