نشيد وطني عراقي جديد

ثار الجدل أخيرا في العراق مع دعوات في مجلس النواب إلى اعتماد نشيد وطني جديد، بدلا من "موطني" الذي اختير بعد احتلال العراق عام 2003، فقد تم ترشيح أنشودة "سلام عليك على رافديك عراق القيم" التي لحنها كاظم الساهر، وكتب كلماتها أسعد الغريري، لتكون نشيدا وطنيا جديدا، لكن القضية تحولت بسرعة إلى منازلة سياسية بين تيارات مختلفة، فشعبية الساهر، وكونه من رموز قليلة تحظى بإعجاب، وشبه إجماع، من العراقيين، لم تكن كافية، فبينما أطلق فكرة اعتماد نشيده، ودعمها تيار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي يضم أكبر كتلة نيابية، وكان هناك ترحيب أولي من آخرين، جاء الهجوم على المبادرة سريعا وقاسيا من أوساط سياسية وإعلامية معروفة بخصومتها مع الصدر في الوسط السياسي الشيعي. ليس هذا فقط، بل أصدر اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الذي يسيطر عليه الشيوعيون (حلفاء سياسيون للصدر!) بيانا شديد اللهجة، اعتبر اعتماد النشيد عودة إلى الماضي، وارتباطا بنظام صدام حسين. وفيما لم يتبرأ كاظم الساهر يوما من أغنياته الوطنية في زمن صدّام، إلا أنه أيضا لم يكن عدوا للنظام الحالي في العراق، بل كان داعيا وداعما للسلام والتقدّم والوحدة في العراق، ومبتعدا عن الخلافات فيه. وهوجم الشاعر أسعد الغريري على خلفية مواقف سياسية سابقة له. وقدم المعترضون مقترح اعتماد قصيدة محمد مهدي الجواهري "سلام على هضبات العراق وشطيه والجرف والمنحنى" نشيدا وطنيا.

ويكشف موضوع النشيد الوطني في العراق وتاريخه والجدل بشأنه تناقضاتٍ كثيرة في القيم وفي مفاهيم الهوية والصراع عليها، وكذلك الصراع على القوة والنفوذ السياسي في الحاضر والماضي. أهم المفارقات أن من اختار نشيد "موطني"، لمؤلفه الشاعر الفلسطيني إبراهيم  

"تبقى اللغة العربية والثقافة العربية المشتركة جزءاً عصياً حتى على عتاة الإقليميين في العراق" طوقان، وملحنه اللبناني محمد فليفل، هو الحاكم الأميركي للعراق بعد احتلاله، بول بريمر، والذي وجه ضربات قاسية للدولة والمجتمع في العراق، خصوصا في قراريه حل الجيش السابق واجتثاث حزب البعث. ولم يكن يعرف شيئا عن السياق التاريخي والبعد القومي لنشيد "موطني" وارتباطه بالقضية الفلسطينية، لكنه اختاره، بعد أن أعجب باللحن، عندما عزفته الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية، في حفلة لها في الأسابيع الأولى التي تلت الغزو.

لم تكن سلطة بريمر، شبه المطلقة، وحدها التي أدت إلى تبنّي العراقيين "موطني"، فقد كان هذا النشيد موجودا في الثقافة العراقية التي تنتسب للثقافة العربية الأكبر. وتبقى اللغة العربية والثقافة العربية المشتركة جزءا عصيا حتى على عتاة الإقليميين في العراق، وغيرهم ممن يبالغون في فصل الهويات الإقليمية في الدول العربية عن الهوية العربية. كان "موطني" يتردّد في المدارس والاحتفالات الوطنية العراقية منذ النصف الأول من القرن الماضي، وما زاد من شعبيته أنه كان نشيد الثورة الفلسطينية. 

ولكنّ هناك دائما في العراق تيارا متشدّدا ضد الهوية العربية، كان ينتقد فكرة أن يكون أصل النشيد غير عراقي. وهناك تيارات أخرى، ليست إقليمية التوجه بالضرورة، ولكنها تفضل نشيدا عراقيا خالصا. في النهاية، مر وقت طويل، ترسخت فيه الهويات القُطرية العربية واقعا حقيقيا، يعترف به حتى القوميون والإسلاميون، في العراق وغيره، لكنهم في العموم يضعونه في 

"لم تكن سلطة بريمر، شبه المطلقة، وحدها التي أدت إلى تبنّي العراقيين "موطني"، فقد كان هذا النشيد موجودا في الثقافة العراقية" موقف الجزء المكمل للكل، بدلا من موقع المتناقض معه. بل إن التغيير الأول من العربي إلى العراقي حصل في عهد صدام حسين، حينما تم اختيار نشيد "أرض الفراتين" الذي كتبه الشاعر العراقي الذي يتحدر من مدينة البوكمال السورية، والقيادي السابق في حزب البعث، شفيق الكمالي، ولحّنه اللبناني وليد غلمية. حصل ذلك التغيير مطلع الثمانينيات. قبل ذلك، كان النشيد الوطني أغنية أم كلثوم "والله زمان يا سلاحي"، المرتبطة بحرب السويس عام 1956 التي كانت لحظة مفصلية في انطلاق التجسد الناصري للتيار القومي العروبي.

كان التنافس بين القطري والقومي معلما رئيسيا من معالم الحياة السياسية في العراق الحديث في القرن الماضي، لكن التنافس العراقي الحالي أعمق، لأنه يضم عناصر أخرى فيها تعقيدات أكبر. سيكون على العراقيين أن يبحثوا عن نشيد يرتبط فعلا بذكرياتهم للدولة العراقية لا بتحولاتها وسيطرة النظم المختلفة عليها. يقف العراقيون اليوم في محطة أخرى هادئة نسبيا بعد دمار الحرب مع تنظيم داعش والحرب الأهلية الطائفية التي سبقتها، والتمرّد المسلح ضد القوات الأميركية والقوات المتحالفة معها. لم تنتج كل تلك النزاعات لحظة إجماع وطنية، يمكن الارتكاز عليها فعلا، لوضع نشيد وطني يكون عنوانا لها ولعراق جديد. يحتاج العراقيون نشيدا عابرا للأجيال، مثل نشيد موطني. وليست هناك خيارات كثيرة في هذا المجال. لعل خلافاتهم الحالية لن تمكّنهم من تغيير النشيد، ولعل ذلك هو الأفضل للهوية العراقية التي ما زالت تبحث عن نفسها في العراق، فشيء من التمسك بالماضي البعيد أفضل من بدء جديد بلا إجماع لا يجلب سوى مزيد من الخلاف والتشتت.

رافد جبوري

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha