سورية.. إلى أين؟

سورية.. إلى أين؟

أمّا وأن الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قد انتهت عسكرياً، والهوس الكُردي والسوري مُتضاربُ الهوى والتوجهات، تغذّيه خشية البقاء على إرث التنظيم فكرياً، فإن المخاوف من بدء حرب جديدة أكثر وحشية من السنوات الثماني التي قضاها السوريون بين بلاد الشتات والتغييب والاستشهاد، تزداد، ويزداد معها تبخر أحلام العودة، ما لم يقترن بتغير سريع وواضح المعالم، رُبما يكون مسرحه شرق الفرات وغربه، وكلٌ وفق التشكيل السياسي والتوزيع الجديد لخرائط المنطقة.

تسيطر ثلاث قوى عسكرية على سورية، والرابعة تنتظر إشارة الدخول، والخامسة رُبما تُفنى أو يتقاطع مصيرها مع "داعش"، ولكل منها قواعد عمل مُحددة وتعقيدات الخط الجغرافي الإقليمي. قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وتسيطر على حوالي 30% من الخريطة السورية. دفعت حوالي 15 ألف شهيد، وأكثر من عشرة آلاف جريح، أثبتوا قوتهم، وأنهوا الوجود العسكري لمسلحي "داعش" بدعم ضخم من التحالف الدولي، كما أثبتت قياداتهم السياسية والإدارة الذاتية فشلها في إنجاز مشروع جمعي شعبي، وأثبتت استبدادها وخنقها الحريات، ومنعها أيَّ طروحات ديمقراطية، أو شراكة سياسية فاعلة حقيقية، وهي المتشدقة "بإلصاق" مصطلح الديمقراطية بكل شيء، ولكن من دون أيّ تطبيق جزئي. ويكفي الاستشهاد بحالة الاحتقان السارية ضمن قطاعات واسعة من الأهالي والأطراف غير المنخرطة في  

"قوات سورية الديمقراطية (قسد)، وتسيطر على حوالي 30% من الخريطة السورية" مشاريعهم، للتدليل على ذلك. ويسيطر النظام السوري، بدعم روسي وإيراني، على 60% من الجغرافية السورية، يُخشى من عودته للمناطق الكُردية، كما حصل في درعا وأغلب مشاريع المصالحات ضمن المناطق الأخرى. وتسيطر الفصائل العسكرية التابعة للمعارضة السورية، والمدعومة من تركيا، على نحو 10% من الشريط الحدودي، ومن ضمنها مدينة عفرين (الكُردية). وتعاني هذه القوات من عدم الانسجام وقلق قطع التمويل، وتُعتبر الأضعف مقارنة بالقوتين السابقتين، خصوصاً لغياب الدعم الأميركي لهم. أما القوة الرابعة وغير المُمسكة بأي مناطق في سورية، لكنها تمتاز بشغف جماهيري وقبول إقليمي نوعي من حيث المبدأ، "بشمركة روج افا"، والتي ساهمت بقوة في إنهاء خطر "داعش" على إقليم كُردستان العراق، وقدمت مئات الشهداء والجرحى الذين انتهت حياتهم لعمق جراحهم، ولم تدخل في سجالاتٍ وعداواتٍ مع مكونات المنطقة، خصوصاً المكون العربي والعشائر العربية، سواء في المناطق الكُردية في سورية، أو المدن العربية الصرفة.

ومع وجود جبهة النصرة في أجزاء من إدلب، فإن أيَّ اشتباك أو معارك بين النظام السوري وحليفه الروسي، ضدها أو ضد قوات المعارضة في المدينة، سينعكس بشكل مباشر على باقي المناطق. ولن يكون الوجود الروسي في المعادلة الحربية في صالح قوات المعارضة السورية، لأسباب دولية، تتعلّق بإرهاب جبهة النصرة. وسقوط المدينة يعني سقوط أقوى مناطق المعارضة السورية، على الرغم من الفصل الميداني بين "النصرة" وفصائل جيش المعارضة، إضافة إلى إمكانية توفر رغبة دولية في عدم إنهاء النُصرة بشكل كامل، أو مشابهة مستقبلها مع "داعش".

تتشابك وتتعقد المواقف والأحداث السياسية في سورية، والدور الإقليمي فيها. تغريدة واحدة للرئيس الأميركي، ترامب، تخلط جميع الأوراق، خصوصاً من "قسد". والانسحاب الأميركي إن تم، فإنه يعني دخول روسيا إلى المنطقة مع الجيش السوري، وسيكون الكُرد أمام شيء جديد في حواراتهم مع النظام أو الداعم الروسي، لإيجاد توازنات أمام الرغبة التركية المتصادمة مع الموقف الروسي الرافض وجوداً تركياً في شرق الفرات، وفي مواجهة المدّ الإيراني في  

"يسيطر النظام السوري على 60% من الجغرافية السورية، وتسيطر فصائل معارضة، مدعومة من تركيا، على نحو 10% من الشريط الحدودي" المنطقة، بعد فضح مشاريعه في الساحل السوري. ولن يجد الكُرد غير الطرف الروسي حامياً لهم ولمشاريعهم، ولو بالحد الأدنى، نتيجة تهديدات تركيا والنظام السوري والسعي الإيراني إلى ضم المنطقة لنفوذه.

ربما تتجه المنطقة صوب حرب جديدة، فالصراع على سورية مُركب بثلاث اتجاهات: صراعٌ على تصدير الغاز عبر الساحل السوري أو عبر تركيا، صراعٌ على هوية سورية المستقبل، صراعٌ على شرق الفرات، وهذا الأخير ينقسم الصراع - الخلاف فيه إلى محاور مركبة ومعقدة، فالخلاف الكُردي الكُردي يلزمه تدخل أميركي فوري، وهو ما لم يتحقق بعد على الرغم من الوعود، وهو تدخل ستكون نتيجة عدم حدوثه بقاء حزب الاتحاد الديمقراطي بغطرسته ومحقه الآخر واستلامه البلاد بمفرده، وبقاء المجلس الكُردي على الهامش، وهو ما يدفعه إلى التمسك بالبقاء ضمن أروقة المعارضة السورية، على الرغم من عدم تلبية شروطه وطلباته السياسية. الخلاف الآخر هو صراع الكُرد والعشائر العربية الموالية للنظام السوري، فهي لن تبقى مكتوفة الأيدي حيال عدم وضوح اللوحة السياسية النهائية للمنطقة، وحرمانها من الواردات الاقتصادية، في حال الانسحاب الكُلي للنظام السوري، أو دورها في العملية السياسية المستقبلية مع بقاء المربعات الأمنية في المنطقة. وصراع "قسد" وتركيا في شرق الفرات، والضريبة التي على "الاتحاد الديمقراطي" دفعها لمنع روسيا أو أميركا من دخول تركيا المنطقة.

والصراع الأخير تحديداً ("قسد" وتركيا) رُبما تُمليه مُستجدات الوضع في غرب الفرات حول الصراع التركي الروسي والنظام السوري على المنطقة، والحفاظ على الفصائل المسلحة، أو دخول المنطقة تحت سيطرة النظام السوري، بحجة ملاحقة جبهة النصرة والقضاء على الإرهاب الذي تحول إلى مُصطلحٍ يتجدد بحسب الحاجة إليه؛ فتنظيم داعش، وإن انتهى في شرق الفرات، إلا أن من المحتمل أن تكون فلوله قد وجدت في تدمر وغربها. وقد جاء الوجود الأميركي في المنطقة بناء على مُحاربة "داعش" وإنهائه. والانسحاب الأميركي هو بمثابة 

"الخلاف الكُردي الكُردي يلزمه تدخل أميركي فوري، وهو ما لم يتحقق بعد على الرغم من الوعود" الإعلان عن بدء الصراعات المحلية إلى أجل غير مُسمّى، عدا عن الصراع المرتقب بين روسيا وإيران على شرق الفرات، ما يضع النظام السوري في أزمةٍ كبيرة، لعدم الانسجام والتوافق بين الطرفين.

في المقابل، تنحصر أبرز مضادات أي نزاع جديد حالياً في أربعة أمور: الرغبة الأميركية في حصار إيران، وتزايد الضغط عليها، ولعل العقوبات على الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وبعض الشخصيات السياسية اللبنانية تدخل في هذه الخانة. كلفة إعادة الأعمار البالغة 500 مليار دولار، وعدم تمكّن أحد من تحمل هذه التكلفة المرعبة. وإذا وافقت الولايات المتحدة على الدعم والتمويل، فلشروطها أن تُنفذ أولاً بشأن إبعاد إيران وما يتعلق بها من المنطقة على أقل تقدير كي لا يتكرر سيناريو سيطرة إيران على العراق. الهجرة التي أرهقت الداخل الأوروبي، وضرورة البدء بمشروع سياسي. وأخيراً ما دفع مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، غير بيدرسون، للتأكيد أمام مجلس الأمن، ولقاءاته الدولية والإقليمية والعربية الفاعلة، وهيئة التفاوض، ومع وزير الخارجية السوري، وهيئة التنسيق، أن مهمته تنحصر في تنفيذ قرارات مجلس الأمن 2254 المعلن عام 2015 أنه خريطة طريق للحل السياسي وفقاً لبيان جنيف 1، وسيعمل من جديد لإقناع جميع اللاعبين الأصليين والمحليين والمجموعات الدولية والاتحاد الأوروبي بتأييد تنفيذ هذا القرار، وتشكيل قائمة الثلث الثالث من اللجنة الدستورية. 

وإلى حين تنفيذ القرار الأممي بشأن سورية، فإن مناطق النفوذ تتغيّر، والسيطرة العسكرية تتبدّل، وتقاسم النفوذ قدّ يُصبح أمراً واقعاً، ورُبما يُدفع باتجاه البقاء على صيغ التوزيع الجغرافي الحالية، باعتبارها صيغاً بديلة، مع استمرار تعثر عمل اللجنة الدستورية والاستعصاء السياسي، واعتقاد الأفرقاء السياسيين باقتراب الحسم والنصر المؤزر على الطرف الآخر.

شفان إبراهيم

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha