غسّان سلامة بين نزاهة المهمة والطموح الشخصي

بينما كان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، يعقد مؤتمر صحافياً في العاصمة الليبية طرابلس، كانت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر قد وصلت إلى مشارف المدينة، وبدأت تدكّ أحياءها بالقذائف. وكان لافتاً هذا المشهد، وكأنه تحدّ واضح للمجتمع الدولي، وبدا حفتر غير آبه بالأمم المتحدة، ولا بأمينها العام، فهل كانت شجاعةً منه أم تهورا؟ الرجل ليس جمال عبد الناصر، ولا هو معمّر القذافي. هل كان مطمئناً لردة فعل الأمم المتحدة، أو أعطاه طرفٌ ما ضماناتٍ بتجميد أي تحرك أممي في مجلس الأمن ضده فترة محددة ينهي فيها معركته التي سماها "معركة تحرير طرابلس"؟ 

أوفدت الأمم المتحدة ستة مبعوثين لها إلى ليبيا منذ بداية الثورة، الحالي هو اللبناني غسّان سلامة، والذي لم يحظ بثقة أهم الفاعلين السياسيين، وخصوصا في طرابلس ومصراتة. ومع بدء هجوم حفتر على العاصمة، ارتفعت أصواتٌ من عدة شخصيات ليبية، سياسية في حكومة الوفاق والمجلس الأعلى للدولة، تتهمّه بالتحيز لمشروع حفتر وداعميه الدوليين. صحيحٌ أن دور المبعوث الأممي يعكس مساحة التوافق بين الدول الكبرى في مجلس الأمن من عدمها. ولكن يبدو من المعطيات أنه استغل رغبة الدول، ذات التأثير في مجلس الأمن، بأن تكون أي سلطة جديدة في ليبيا متوافقةً مع تصور الحكومات العربية التي تدعم حفتر، وفي مقدمتها مصر والإمارات، وتقود فرنسا هذا المحور داخل مجلس الأمن. ومن المؤشرات على هذا الانحياز تقديم غسّان سلامة السنة الفائتة مقترحا للمجلس الأعلى للدولة لحل الأزمة عبر تطبيق بنود اتفاق الصخيرات، إذ ينص الاتفاق أن تغيير المجلس الرئاسي يتطلب توافق كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، بينما المقترح كان يعطي صوتين للبرلمان مقابل صوت واحد لمجلس الدولة، في عملية تغيير أعضاء المجلس الرئاسي واختيارهم. وعند الاحتجاج على ذلك، كان رد المبعوث الأممي أن خطأ ما وقع فيه طاقم مكتبه في صياغة المقترح، ولكن اللافت أنه عاد وأرسل المقترح الرسمي، والذي أخرج مجلس الدولة من المعادلة، وأعطاه فقط صلاحية "تزكية المرشحين"، بينما أعطى للبرلمان الحق وحده في اختيار أعضاء المجلس الرئاسي.

توالت الأحداث بسرعة، إلى أن هجمت قوات حفتر على طرابلس، ليخرج السراج عن صمته، ويقول ما معناه أنهم قدّموا لحفتر كل ما يريده، ولكن الأخير طعنه في الظهر، ولم يلتزم بأي  شيء. وبعد حوالي شهر ونصف الشهر من الهجوم وفشل حفتر في دخول طرابلس، والسيطرة عليها، وبعد أن نجحت قوات حكومة الوفاق، مدعومة بقوات الثوار، في طرد قوات حفتر، وإبعادها خارج الحدود الإدارية للعاصمة، وأسر أعداد لا بأس بها من جنوده، تتناقل تقارير أن البعثة الأممية اليوم تحاول تكرار أسلوب المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا، بيرناردينو ليون، الضغط على القيادة السياسية، بالتحدث مباشرة إلى القادة الميدانيين، وبالتالي إضعاف الجبهة السياسية التي يبدو أنها اتحدت في نقاط محدّدة، أهمها رفض وقف إطلاق النار من دون إلزام قوات حفتر بالعودة من حيث أتت، أي خروجها من كامل المنطقة الغربية التي دخلتها، وإذا ثبت أن هذا صحيح، فإنه قد يكون مؤشرا إضافيا على تأكيد رأي بعض الليبيين بأن غسّان سلامة منحاز إلى معسكر حفتر، وداعميه العرب وفرنسا. وبالتالي، ربما فقد سلامة ثقة طرفٍ سياسيٍّ رئيسي في ليبيا، ما قد يعني انتهاء مهمته في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل من دون التمديد له. 

تبدو تجربة الليبيين مع المبعوثين الأمميين سيئة، إذا ما استثني منهم طارق متري. والآن بعد خمس حروب جرت في ليبيا، وبعد ستة مبعوثين أممين فشلوا في إيقاف الحرب وإحلال السلام والمساعدة في بناء الدولة، يبقى السؤال مطروحاً بشأن كيفية تحييد القوى الإقليمية والدولية عن التدخل سلباً في ليبيا، وعن الفائدة من إرسال مبعوث سابع، وقد فشل الستة السابقون.

عمر الشيخ إبراهيم

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha