عن قادمين جدُد إلى الخزان الانتخابي في تونس

عن قادمين جدُد إلى الخزان الانتخابي في تونس

ناهز عدد المسجلين الجدد في السجل الانتخابي في تونس المليون، وتطمح الهيئة المختصة بالأمر أن يتجاوز هذا الرقم حين يحل آخر يوم للتسجيل أي يوم 22 مايو/ أيار الحالي، المليون ونصف المليون.

وقد يكون سقف هذا الطموح مرتفعاً، ولربما تضطر الهيئة إلى التمديد في آجال الترسيم شهراً أو أكثر، وخصوصاً أن أصواتاً عديدة تدعو إلى ذلك، في ظل وجود أكثر من ثلاثة ملايين مواطن غير مسجلين، ثلثهم من النساء تقريباً.

ربح الخزّان الانتخابي حاليا أكثر من الثلث، وهذا جيدٌ، لم يكن متوقعاً في ظل اعتقاد سائدٍ، مفاده بأن الشباب تحديداً وعموم المواطنين يتجهون إلى العزوف عن الانتخابات المقبلة ومقاطعتها. ولكن تطورات استجدت أخيراً، وارتفاع وتيرة التسجيل للتصويت، سفّها كل التوقعات، فأعمار ثلثي المسجلين الجدد بين 18 عاماً، وهي السن القانونية الدنيا للتمتع بحق الانتخاب، و25 عاماً.

ويتوقع أن تكون مستوياتهم التعليمية متوسطة أو مرتفعة، فهم إما في آخر المرحلة الثانوية، أو طلبة جامعات أو هم خرّيجون، ما سيجعل للمتغير التعلمي أثراً مهماً في توجيه السلوك الانتخابي لهده الفئة.

يبدو أن الرئيس الجديد للهيئة العليا المستقلة للانتخابات، نبيل بفون، ربح الرهان. وكان المتابعون للشأن السياسي متشائمين من اضطراد عزوف الشباب، وكسل الهيئة في الدعاية الحاثّة على التسجيل.

لقد استطاع، على الرغم من تأخر بداية الحملة الدعائية للتسجيل  

"يوجد أكثر من ثلاثة ملايين مواطن غير مسجلين في سجلات الناخبين، ثلثهم من النساء تقريباً" الانتخابي، وفي زمن قصير نسبياً، أن يجلب للخزان الانتخابي هذا العدد المهم، والمرشح للارتفاع، وخصوصاً أن نسبة المشاركة في الانتخابات البلدية، في مايو/ أيار 2018، كانت دون المأمول، ولم تتجاوز 35%، وهي من أضعف النسب التي تسجل في الانتخابات الخمسة التي عرفتها البلاد بعد الثورة.

ساد اعتقادٌ، في السنوات القليلة الماضية، مفادُه أن حالة اليأس والإحباط دفعت عموم التونسيين، وتحديدا الشباب، إلى العزوف عن التصويت، ومقاطعة الانتخابات عموما، بشكل ضمني، عقابا لطبقةٍ سياسيةٍ استولت على ثورتهم وباعتهم أوهاماً ووعوداً، بل إنها خذلتهم.

وتدل للوهلة الأولى معظم الإحصائيات الانتخابية، أو غيرها التي تتعلق بالاهتمام بالشأن العام والانخراط مثلا في الجمعيات والأحزاب، على النسبة الضعيفة للشباب، غير أن هناك من يرى في هذا العزوف فعلا سياسيا، وإن بشكل آخر، فالعزوف سلوك قصدي واع، يريد منه الذين يمارسونه أن يبلغوا رسالتهم، وأن يزاولوا السياسة ويصنعوها بشيء آخر، هو ما اتفق على تسميته السياسة السلبية.

ساد هذا الاعتقاد وتعزّز، مع تنامي المؤشرات الدالة على ذلك، كما أشير سابقا، لدى أوساط علمية وسياسية عديدة، حتى غدا ما يشبه الباراديغم الذي يستعمل في تحليل السلوك الشبابي عامة. توافد هذا العدد المهم على التسجيل للانتخابات بشكل إرادي وقصدي. وقد يكون الإقبال غير المتوقع حدثا يشي بتحولاتٍ عميقة في السلوك الانتخابي، ولربما المشهد العام، بما فيها التوجهات والنتائج.

هل يترجم هذا الإقبال دحض أطروحة العزوف المستمر؟ على خلاف أطروحة أن الشباب التونسي لم يعد مهتما بالسياسة، وأن عزوفه عن التصويت في المواسم الانتخابية ليس إلا  

"نسبة المشاركة في الانتخابات البلدية (مايو/ أيار 2018)، لم تتجاوز 35%" ترجمة لترذيل السياسة والسياسيين. لقد رأينا خلاف ذلك، أن معظم التحرّكات الاحتجاجية قدتها قيادات شبابية من تلاميذ وطلاب وشباب عاطل عن العمل، الأمر الذي يدل على أن الشأن العام المواطني ما زال جاذبا لهم، فحملتا "مانيش مسامح" (على خلفبة مسائل العدالة الانتقالية) و"وينو البترول" وقعتا تحديدا بعد انتخابات 2014، وهما من تدبير حركات احتجاجية، ربما تربت فيها الأعداد الهائلة للوافدين الجدد على الانتخابات المقبلة، وربما تكون تلك الحركات الاحتجاجية حضانة هؤلاء، وذلك ما قد يجعلهم ناخبين راديكاليين، مناهضين للطبقة السياسة الحاكمة تحديداً، وربما يُرجّح أن يكونوا مناهضين لـ"السيستم" الذي أفرزته انتخابات 2014، وجملة التوافقات السياسية الكبرى التي نتجت عنه، وخصوصا أن المسائل المتعلقة بالشباب ظلت تراوح مكانها، على غرار البطالة والتهميش والعدالة الجهوية المختلة بين المناطق.

علينا أن لا ننسى أيضا أن هؤلاء التونسيين الوافدين الجدد إلى صناديق الاقتراع لا تنطبع لديهم صور للنظام القديم، إلا على سبيل سردياتٍ تقدّم لهم، فهم بالكاد يتذكّرونها، فذاكرتهم لا تراكم وقائع وأحداثا عاشوها، والتصقت بوعيهم، وأحكاما ومواقف، بل تختزن ذاكرتهم مجرد انطباعاتٍ عن النظام السابق، غير دقيقة ولا حاسمة. ولذلك سيذهب هذا الشباب إلى الانتخابات، وهو متحرّر من أسر تلك السرديات المقدّمة من ضحايا نظام بن علي أو مناصريه معا. ولذلك نفهم الخوف والتوجس الذي عبرت عنه أحزابٌ عديدةٌ، لم تستطع بعد تبيّن ملامح 

"أعمار ثلثي المسجلين الجدد بين 18 عاماً و25 عاماً" القادمين الجدد، إنه أمر صعب على الجميع، فهم المتحرّرون من أسر ذاكرة النظام القديم، وهم، في الآن نفسه، من نشأوا في حضن الحركات الاحتجاجية.

لقد أشارت الانتخابات البلدية في السنة الماضية، من خلال حالة النائب الشاب، ياسين العياري، والذي ترشح عن دائرة أوروبا (ألمانيا تحديداً) إلى أنه في الوسع جلب الناخين الشبان، وتعبئتهم ضد "السيستم برمته".

ولذلك تخشى الطبقة السياسية من أن يتكرّر هذا السيناريو، ويتوسع، خصوصاً في ظل الحديث عن ترشح شخصيات سياسية قادمة من خارج معطف الطبقة السياسية.

بقدر ما أثار ابتهاج عديدين، فإن الإقبال الجيد على التسجيل في الانتخابات المقبلة أثار حيرة معظم الأحزاب ومخاوفها، وهي التي تجهل توجهات هذه الكتلة الانتخابية التي ستغير المشهد السياسي، وربما تعدّله بشكل عميق.

تحرص كل الأحزاب، وحتى التشكيلات المستقلة، وبشكل مسبق، على احتساب القادمين الجدد، وضم أنصارها واعتبارهم من ضمن مؤيديها، وتلك لعبة مسبقة ضمن التعبئة الانتخابية المبكرة.

 

    • "يوجد أكثر من ثلاثة ملايين مواطن غير مسجلين في سجلات الناخبين، ثلثهم من النساء تقريباً"

 

    • "نسبة المشاركة في الانتخابات البلدية (مايو/ أيار 2018)، لم تتجاوز 35%"

المهدي مبروك

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha