عودة إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد

منذ بداية التمهيد والتبشير بالمشروع الصهيوني الأميركي للسلام والرخاء في الشرق الأوسط، تَمَّ الإلحاح على استعمال مفردة صفقة، وإبرازها ثم باختزال المشروع في عبارة موجزة (صفقة القرن). والمعلوم أن مفردة صفقة تجري في عالم المال والأعمال، حيث يتنافس المتضاربون في الأسواق على ربح الصفقات التي توفر أرباحاً أكبر ومردودية أكثر. ومنذ البداية المذكورة، والإدارة الأميركية تواصل بقيادة ترامب، دفاعها عن الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وتدعم مختلف الخيارات الإسرائيلية الرامية إلى مزيد من تثبيت المستوطنات القديمة، وبناء مستوطنات جديدة، إضافة إلى مواصلتها التنكيل بالفلسطينيين، مستهدفةً إكمال سيطرتها على الأرض والتاريخ والإنسان.. وقد ساهمت الصراعات الفلسطينية البيْنية، كما ساهم الوضع العربي العام، حيث بلغت الخلافات والصراعات العربية والإقليمية مستوياتٍ تسمح بما نشاهده اليوم من عربدة المعربدين.. 

كانت البداية تتجسَّد في الموقف الأميركي القاضي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وتتم اليوم عمليات تسريبٍ وتعميمٍ مُدَبَّر في الإعلام الأميركي الصهيوني لمشروع الصفقة، ولا نعثر في هذا المشروع على ما يتمّم القرارات الدولية المرتبطة بصيرورة تطوُّر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل نجد قفزاً وتركاً لما ذكر أعلاه، في مقابل تركيب تصوُّراتٍ جديدةٍ تهدف، في ضوء الراهن الفلسطيني والعربي، إلى إفراغ القضية من محتواها. قد يجد قارئ مشروع الصفقة نفسه أمام نوعٍ من العودة التي تستثمر مشروع شمعون بيريز، لحظة حلمه في نهاية القرن الماضي بالشرق الأوسط الجديد، وهو شرق يتشكَّل بفضل المال الخليجي، مرفوقاً بالذكاء الإسرائيلي والدعم السياسي الأميركي، ثم تحضر الأطراف الأخرى التابعة، ويتم، في النهاية، بناء شرق أوسط جديد، يحصل فيه السلام، وتَعُمُّ الرفاهية الفائقة!

إذا كان مؤكّدا أن سياقات التلويح بمشروع الشرق الأوسط الجديد تختلف عن سياقات التغنّي بالصفقة، والدعوة إلى ضرورة قَبولها لبناء "فلسطين جديدة"، لا علاقة لها بفلسطين، ولا  

"كانوا يتحدثون أمس عن الأرض مقابل السلام، واليوم يتحدثون عن التنمية مقابل السلام" بتضحيات الفلسطينيين في التاريخ المعاصر، فإن عمق المشكل وأساسه واحد، وهو في راهنه يُعَدُّ مُحَصِّلة لواقع الحال في الأرض المحتلة، حيث تستفحل مآسٍ جديدة تمسّ الفلسطينيين في أبسط حقوقهم الشرعية، وحيث تواصل الغطرسة والعنصرية الصهيونية محاصرتها مختلف التطلعات والطموحات التاريخية الفلسطينية، وهي طموحاتٌ تقرّها الشرعية الدولية، وصدرت في شأنها مواثيق وعهود حرص الصهاينة بعنادهم وغطرستهم على طَمرها. 

لقد بدا واضحاً، لحظة إطلاق مشروع الشرق الأوسط الجديد في تسعينيات القرن الماضي، أن الأمر يتعلق بمحاولةٍ تروم دَمْج إسرائيل مشرقياً ومتوسطياً، دمجها قوة مدعومة أوروبياً وأميركياً، قوة استيطانية غازية وصانعة لموقع في قلب المشرق العربي، وهو موقعٌ يهم القِوى الاستعمارية التي تقف وراءها أن يكون لها فيه نصيب. ونتصوّر أن مشروع صفقة القرن يمكن أن يُفهم باعتباره مدخلا جديدا لإعادة إحياء مشروع لم يمت، ما دامت إسرائيل تواصل توسيع نفوذها وجبروتها في فلسطين، وتطبِّع في السر والعلَن مع بلدان عربية عديدة انخرطت منذ سنوات في معارك ومآزق، ولم تستطع لا الخروج منها ولا تجاوزها. 

يتم الإعلان عن اقتراب تدبير الوجه الاقتصادي للصفقة في زمن الذكرى الحادية والسبعين لتقسيم فلسطين (1948)، مع الذكرى الثانية والخمسين لهزيمة 1967، وهما معاً من أبرز علامات تصفية القضية الفلسطينية، إنهما علامتان في مسارٍ معقَّد من الاعتداء الصهيوني  

"محاولة تروم دَمْج إسرائيل مشرقياً ومتوسطياً" الأميركي المتواصل، على فلسطين وعلى الفلسطينيين وحقوقهم.. ولأنهما، كما أتصور، علامات على إمكانية مواصلة طريق المقاومة، فقد اختار العدو إكمال مشروعه الصهيوني وبناء إسرائيل الكبرى، وذلك بتحويل الضفة والقطاع داخلها إلى ملحقات تابعة.. بدأ التهييء لمؤتمر المنامة المنتظر أن ينعقد في نهاية شهر يونيو/ حزيران الحالي، لتوضيح البرامج الاقتصادية الممهدة للسلام والرفاه في إسرائيل والبلدان العربية المحيطة بها، مصر ولبنان والأردن وفلسطين الجديدة، كما تشير الوثائق المسرَّبة من المشروع، وحيث من المنتظر أن يؤدّي قبول صفقة القرن إلى إعلان ميلاد "فلسطين جديدة". 

يتم تدبير الصفقة في زمنٍ يتصاعد فيه العدوان العسكري على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويبدو أنه لاَ حَلَّ تقترحه الصفقة خارج "أحلام الرفاه" التي تَعِد بها الآخرين.. حيث يتكفَّل الخليج العربي بتقديم الموارد المالية المطلوبة، مقابل حمايته.. أمّا الحقوق التاريخية المشروعة للفلسطينيين فلا علاقة لها ببنود الصفقة المتداولة، أي حقَّ تقرير المصير، حقّ تحرير الأراضي المحتلة، وعودة اللاجئين. 

السؤال المطروح على الفلسطينيين اليوم لمواجهة ما يجري، وما يَتِمُّ الإعداد له، هو سؤال المشروع الوطني الفلسطيني، وهو مشروع للتحرّر والتحرير، وليس لاقتناص الصفقات المحسوبة على مقاسات من يدبِّرها.. وكل المناورات التي تروم تهميش القضية الأساس، واستبدالها بمشروعٍ يتوخّى بناء تنمية اقتصادية في المنطقة، في ضوء "فلسطين جديدة" بدون تاريخ، وبدون مشروع للتحرير، وبدون دولةٍ وطنية، يُعَدُّ من قَبِيل المبادرات التي تتوخّى، أولاً وقبل كل شيء، تصفية القضية الفلسطينية، فكيف يتم التفكير في رخاء المنطقة في ظل الاعتداءات المتواصلة من إسرائيل؟ 

كانوا يتحدثون أمس عن الأرض مقابل السلام، واليوم يتحدثون عن التنمية مقابل السلام، ويحق لنا أن نتساءل، أي أرضٍ وأي تنميةٍ وأي سلام؟

كمال عبد اللطيف

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha