تونس في موسم صيد الأصوات

فتح أحدث استطلاع للرأي في تونس (12 يونيو/ حزيران الجاري) عن نيات التصويت في الانتخابات التشريعية (أكتوبر/ تشرين الأول 2019) والرئاسية (نوفمبر/ تشرين الثاني 2019)، جدلاً واسعاً بشأن المفاجآت التي جاءت بها النتائج عن نيات الناخبين التونسيين، ومزاجهم العام تجاه أحزاب منظومة الحكم والمعارضة بمختلف هوياتها والشخصيات المستقلة التي يفترض أن تؤهلها مكانتها لدخول السباق الانتخابي. وقد عمقت هذه النتائج ما كشفه استطلاع رأي سابق (مايو/ أيار 2019)، لترسم مشهداً سياسياً، معالمه كالتالي: لقد تصدّر حزب افتراضي المشهد، بحصوله على نيات تصويت 29.8%، متفوقاً على حركة النهضة بفارق كبير، التي حصلت على نيات تصويت بـ 16.8% ليحلّ الحزب الدستوري الحر، وزعيمته عبير موسي في المرتبة الثالثة بنسبة 11.3%. وكانت المرتبة الرابعة لحزب "تحيا تونس" بنسبة 8.6%، ليليه حزب التيار الديمقراطي بنسبة 5.8%. ودخلت السباق الانتخابي أول مرة حركة "عيش تونسي"، لتحتل المرتبة السادسة بنسبة 5.4%.

وقد كرّس سبر (استطلاع) الآراء في علاقة بالانتخابات الرئاسية توجهات الناخبين نفسها، بمنح صاحب قناة نسمة التلفزيونية، نبيل القروي، المرتبة الأولى بنسبة 23.8% يليه الجامعي قيس سعيد بنسبة 23.8%، ثم زعيمة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، في المرتبة الثالثة بنسبة 10.8% يليها رئيس الحكومة وزعيم حزب تحيا تونس، يوسف الشاهد، بنسبة 7.4%. وكانت المرتبة الخامسة من نصيب زعيم التيار الديمقراطي محمد عبو بنسبة 6.6 %، وغير بعيد عنه بفارق بسيط، يحتل الرئيس السابق المنصف المرزوقي، المرتبة السادسة بنسبة 6.3%.

اعتبر ما سبق زلزالاً، غير أن العنوان الأبرز لقراءات عديدة لمفاجآت هذه النتائج أن مؤسسات سبر الآراء تتلاعب بالمناخات الانتخابية، وتدفع نحو توتير الأجواء للمترشح والناخب، فهي 

"ذهبت نتائج سبر آراء الجمهور بشأن الانتخابات إلى اتجاهات بعيدة"  تمارس قصفاً عشوائياً يستهدف أطرافاً عديدة، وإذاً "بورصة" ومؤشر الثقة يتراجع، ويتم التلاعب به في اتجاه التأثير السلبي على المناخات الانتخابية، حسب تعبير القيادي في حركة النهضة العجمي الوريمي، الذي يضيف أن مؤسسات سبر الآراء تدفع نحو أجواء لا يمكن خلالها تنقية المناخات، وتدفع نحو توتر نفسي لدى الناخب والمناضل السياسي بشكل عام.

في تنزيل هذه النتائج في السياقات الجيوسياسية، وخصوصاً زحف التيارات الشعبوية في أوروبا وأطرافها، إلى أيّ مدى يمكن اعتبار هذه المشهدية ومفاجآتها تمظهراتٍ شعبوية؟ وبلغة أخرى، القول إن جوهر الشعبوية يكمن في الموقف المعارض للمؤسسة، ومعاداة النخبة. وفي النهاية، وكما يرى يان فيرنرمولر أن ما يمثل جوهر كل الشعبويين يكمن في التعبير عنه تقريباً كالتالي: "نحن، ونحن فقط من يمثّل الشعب حقاً".

وقد عمل نبيل القروي الذي يتصدر حالياً استطلاعات الرأي، على تأكيد وقوفه إلى جانب "فقراء تونس"، فهم لا يرون فيه سوى "أب الفقراء"، وهي الصفة التي كرّسها حضوره المستمر في الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية، ونسب الأمية المرتفعة التي تشكل أحزمة حمراء للعاصمة والمدن الداخلية الكبرى منذ سنتين. وقد كثف حضوره هذا في شهر رمضان وفي الأعياد الدينية، مستنداً في خطابه إلى الفعل العاطفي، على الرغم من نقاط الضعف والتناقض التي يحملها هذا الخطاب: في صيغة تلفزيونية تسويقية ابتزازية، ما جعل خصومه يعجزون عن منافسته، والوقوف في وجه صعوده السريع في المخيال الشعبي. النموذج الشعبوي الثاني، الذي احتل المرتبة الثانية في الاستطلاعات، هو الأستاذ الجامعي قيس سعيد، الذي لا تحمل شخصيته كما يصفه متابعون "أي جيناتٍ رئاسية"، ولكنه ظل يردد شعارات شعبوية عن العدالة الاجتماعية والنقاوة القيادية، والتذكير، من حين إلى آخر، بسيرة الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد... ما جعل تلاميذه وأنصاره يردّون على الساخرين من منطلقاته بأنه "يكفي أنه يؤمن بالعدالة" و"الدولة العادلة". النموذج الثالث تمثله عبير موسى، المرأة القادمة من بعيد، الرافضة الثورة وشعاراتها، والداعية إلى العودة إلى منظومة النظام القديم، التي تكيل أبشع الشتائم لحركة النهضة ومنخرطيها.

وفي المحصلة، ذهبت نتائج سبر آراء الجمهور التونسي بشأن انتخابات أكتوبر ونوفمبر

"استمرار دور الأحزاب التقليدية والشخصيات ذات الكاريزما والنضال"  المقبلين، إلى اتجاهات بعيدة لم تتوقعها أحزاب حاكمة وأخرى معارضة، لتضيع في زحمة الأرقام والنسب المصرح بها، ما جعل بعضهم يعلق على هذه النتائج بأنها من "غرائب الدهر"، بل لعلها "من علامات قيام الساعة"، بحسب مؤسس حركة تونس إلى الأمام عبيد البريكي.

واعتبر محللون سياسيون حياديون هذا المشهد بأنه جزء صعود الحركات الشعبوية القريبة من أقصى اليمين، والمعادية للديمقراطية والمنظومة الليبرالية والنخب التقليدية، وأن هذه الحركات مجرد تعبيرات غضب شرائح شعبية مجتمعية عن بعض القرارات الحكومية، ومن ثم لا ترتقي إلى حركات سياسية واضحة المعالم، وذات مرجعية وبرنامج وخطاب عقلاني. وقد تكون فتحت في الواقع السياسي التونسي، مرحلة جديدة، سيكون لها حضورها برلمانياً، وعلى صعيد منظومة الحكم مركزياً ومحلياً، ولكنها لن تكون في موقع القرار والسيادة، ذلك أن السياسة بمعناها التقليدي والحداثي، تظل مجالاً للبرامج والرؤى الكبرى التي تسعى إلى تغيير المجتمعات ودفعها نحو الأفضل.. ما يؤكد استمرار دور الأحزاب التقليدية والشخصيات ذات الكاريزما والنضال.

محمد أحمد القابسي

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع