بعد "التطبيع" مع إيران.. ماذا عن حصار قطر؟

"هرولةٌ وتسابقٌ"، التسمية التي أطلقتها وسائل إعلام ومحللون لوصف لقاءات وفود إماراتية وسعودية مع مسؤولين إيرانيين في طهران قبل أيام. وإذ تعكس هذه اللقاءات التناقضَ في سياستي البلدين تجاه مسألة العلاقة مع إيران، فإنها تكرِّس الضياع الذي يمكن أن توصف فيه هذه السياسات، نتيجة التسابق إلى تحسين علاقاتهما مع هذا البلد الذي كانت علاقات دولة قطر الجيدة معه إحدى ذرائعهما لفرض الحصار عليها. ومع ذلك، لا يبدو أن الأجواء ستأتي بانفراجٍ يؤدي إلى رفعهما هذا الحصار في إطار تحسين علاقاتهما بالجوار، وهو أمر يثير التساؤل حول طبيعة سياسة البلدين. 

تحوَّلت مسألة فرض الحصار على قطر إلى أزمةٍ خليجيةٍ، كادت أن تصبح وجوديةً بفعل تأثيرها على منظمة مجلس التعاون الخليجي الذي كان يضع المسؤولون الخليجيون الآمال عليه لتعزيز قوة بلدانهم عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. وتَبيَّن مع الأيام أن هذه الأزمة لا تختلف كثيراً بتبعاتها على المنطقة عن الأزمات التي عصفت بها خلال أربعين عاماً؛ سواء الحرب العراقية الإيرانية، أم احتلال العراق الكويت ومن ثم حرب تحريرها، أم ضرب العراق ومن ثم غزوه، وصولاً إلى الحرب الجارية على اليمن. وحين لم تخضع قطر للشروط الثلاثة عشر التي فرضتها السعودية والإمارات ومصر والبحرين مجتمعةً على الحكومة القطرية من أجل رفع الحصار، لم تُراجع تلك الدول موقفها بعدَ انقضاء مهلة الأسبوع المعطاة لها، بل ذهبت في ذلك الحصار إلى أبعد مدى، حتى وصل إلى إمكانية غزوهم البلاد. 

لم تحفل السعودية والإمارات باحتمال تضعضع مجلس التعاون الخليجي جرّاء حصارهما قطر ومحاولتهما عزلها، وإمكانية تكوُّن استقطابٍ إقليميٍّ حاد بفعل هذا الحصار. وهما في ذلك  

"لم تحفل السعودية والإمارات باحتمال تضعضع مجلس التعاون الخليجي جرّاء حصارهما قطر" أدارتا الظهر إلى كل ما كانتا تتغنَّيان به عن فعالية المجلس في مواجهة الأخطار التي تحيق بدوله، والتي حدّدتا إيران مصدراً لمعظمها. وهذا ما يثير الاستغراب والتساؤل إن كان الدفع نحو النتائج غير المحمودة لصراع مثل الصراع الذي كان يمكن أن يخلّفه حصار قطر هو دفع متعمّد أم لا. وهل غاب عن ذهن من فرض الحصار أن ذلك فعل خطأ ستترتب عليه نتائج سلبية، تطاول المنطقة كلها؟ 

لا يمكن، من خلال النظر في هذه القضية، وفي الالتفاتة الإماراتية نحو إيران التي كانت للتو ضمن الدول المصنفة معادية، سوى استنتاج أن بعض دول الخليج العربي تعطي الأولوية للصراع في ما بينها على الصراع بينها وبين من تعدّهم أعداءها. ولذلك حين رأت الإمارات أن استمرار مشاركتها في الحرب على اليمن، والمشاركة في توتير العلاقة مع طهران في إطار سياسة واشنطن لتشكيل حلف عسكري يعزّز حصار إيران ويعزلها، ويمكن أن يكون فاتحةً لحرب عليها، ستكون له تبعاتٌ كارثيةٌ على اقتصاد الإمارات وأمنها، أرسلت أبوظبي وفداً برئاسة قائد قوات خفر السواحل الإماراتي، محمد علي مصلح الأحبابي، للقاء قائد قوات حرس الحدود الإيراني، العميد قاسم رضائي، في طهران ذاتها، وليس في مكانٍ محايدٍ، للاتفاق على "تعزيز العلاقات الدبلوماسية وضمان أمن مياه الخليج"، حسب بيان أصدره الطرفان. 

وفي هذا السياق، وفي إطار تلطيف العلاقة مع إيران، استقبلت الرياض، قبل أيام، رئيس منظمة الحج والزيارة الإيرانية، علي رضا رشيديان الذي التقى وزير الحج والعمرة السعودي. وعلى الرغم من أن المتوقع من هذا اللقاء أن يناقش الأمور اللوجستية المتعلقة بالحجاج الإيرانيين، إلا أن وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) ذكرت أن المسؤولَين أكّدا على تعزيز التعاون بين بلديهما. ويعد هذا اللقاء ذا مغزىً كبير، لأن علاقات الطرفين وصلت إلى أدنى درجة لها، قاربت فيها القطيعة الدبلوماسية، بسبب الملف اليمني ودعم الإيرانيين الحوثيين في مواجهتهم السعودية وحلفاءها، وهجوم المتظاهرين الإيرانيين على السفارة السعودية في طهران سنة 2016، علاوة على تبنّي السعودية الموقف الأميركي الداعي إلى مواجهة طهران. 

يمكن، بالاعتماد على قراءة المعطيات السابقة، الوصول إلى قناعة حول مدى براغماتية

"واضح أن السعودية والإمارات لا تبحثان جديّاً عن طرقٍ لتفادي التوتر في الخليج"  السياسة السعودية والإماراتية في المنطقة. ولكن، وعلى الرغم من هذه البراغماتية، لم ترَ حكومتا البلدين من داعٍ لمراجعة علاقة بلادهما مع قطر، ما يدل على أن سياستهما براغماتية من نوعٍ خاص. وهنا سؤال: هل على قطر أن تتخذ سياساتٍ فيها من العدائية والتهديد لدول الجوار، ما يدفع هذه الدول إلى أن تبحث عن سبل تحسين العلاقة معها من أجل تفادي تصادم يكون له التبعات الخطيرة عليها، مثل التي كان يمكن أن تكون لتصادمهما مع إيران؟ وينطبق هذا الأمر على اليمن، حين لم تحذُ السعودية حذو الإمارات في مراجعة سياستها العدوانية تجاهه، من أجل وقف حربها على شعبه. كما ينطبق على دول أخرى، تدخَّل فيها البلدان، وأمسكا بمفاتيح حل صراعاتها. 

واضح أن السعودية والإمارات لا تبحثان جديّاً عن طرقٍ لتفادي التوتر في الخليج، وإلا لكانتا نتهجتا سياسةً تعمل على تبريد الأجواء وتشمل جميع بلدانه، وليس إيران "الخطيرة" فحسب. ومن هنا يبقى التعويل على سياسة قطر التي تنتهجها لتحسين علاقاتها مع دول الجوار، ودعوتها إلى وقف حرب اليمن، والأهم هو سياسة الاعتماد على الذات التي وضعت الاقتصاد القطري على سكّة الصناعات البديلة التي تغني البلاد عن السلع التي كانت تردها من السعودية والإمارات. وهذا ما سيغيِّر وجه قطر الذي لن تعرفه كل من السعودية والإمارات، إن أعادتا علاقاتهما معها، حين ستشاهدان ذلك "الأخ الأصغر الضعيف" وقد أصبح في حالٍ أفضلٍ من حالهما.

مالك ونوس

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha