عن ثقافة التكفير

في وقتٍ يتطلّع فيه الاجتماع العربي إلى مزيد من إعمالٍ العقل، وتكريس خطاب التنوّع وثقافة الاختلاف، من أجل عيش جمْعي مشترك، يُصرّ بعض الدعاة، وساسةٌ ومتأدلجون كثيرون على توظيف الدّين لأغراض مذهبية، أو شخصيّة، أو سياسوية ضيّقة. ويعمد هؤلاء إلى الانزياح بالنص الديني عن أغراضه القيمية الكبرى (التسامح، السلام، التعايش)، ومقاصده الكلّية (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال..)، لينصرفوا إلى ادعاء احتكار فهم محامل النص الديني. وهم يتجاوزون ذلك إلى توظيف الدّين لتمرير خطاب الكراهية، وترويج إقصاء الآخر وإخراجه من الملّة. وفي هذا السياق، تزايدت في السنوات الأخيرة دعاوى تكفير مفكّرين، وفنّانين، وإعلاميين، ومبدعين، وحكّام، ومعارضين. بل بلغ الأمر ببعضهم درجة الحكم بجاهلية المجتمع وكفر الدولة. وتبعت تلك الدعاوى التحريضية على الناس، حوادث تهديد ووعيد، وقتل وهرج ومرج، وهو ما أربك النسيج المجتمعي وهدّد السلم الأهلي. وأدّى خطاب التكفير إلى تقسيم الناس على أساس هُوَوِي إلى مؤمنين وكفّار، وساهم في تزايد منسوب التعصّب، والتفتين، والانغلاق في مقابل تراجع مساحات التعبير، والتفكير الحرّ في أكثر من بلد عربي.

والواقع أنّ الكفر والإيمان مسألة عقديّة، مدارها علاقة الفرد بربّه الذي يعلم خافيات النفوس وظواهر الأفعال وعواقب الأعمال، وادعاء تمثيل الله في هذا الشأن، والنطق بدلاً عنه في هذا المضمار أمر جلل. ونبّه أعلام القدامى، ومن بينهم أبو حامد الغزالي، إلى خطورة الخوض في التكفير ونعت الآخرين به، قائلاً: "والذي ينبغي أن يميل المحصّل إليه الاحترازُ من التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله: خطأٌ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهونُ من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم". وتباين علماء المسلمين في تحديد ماهية الكفر، وتشهد كتب الفرق  

"المرجّح أن التأسيس لثقافة التكفير نابع من عقولٍ لم تقرأ البعد التعددي للنصّ القرآني" باختلاف المتكلّمين في هذا الخصوص، فيكفي أن تراجع كتاب "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين" لأبي الحسن الأشعري، و"الفَرْق بين الفِرَق" لعبد القاهر البغدادي، لتتبيّن أنّ السلف لم يكونوا على رأي واحد في مسألة الكفر والإيمان. وتأكّد ذلك خصوصاً بعد أن تلبّس التكفير بخلفيات سياسية ومصالح مذهبية إبان الخلاف بين عليّ بن أبي طالب والخوارج الذين كفّروا الرجل لقبوله التحكيم، وتنادوا بالخروج على الدولة، وهو ما أحدث شرخاً داخل الاجتماع الإسلاميّ الوليد. وتطوّر الأمر لاحقاً لتظهر فرق شتى، تدّعي كلّ فرقة أنها الناجية، وأنّ أتباعها في نعيم وخصومها في جحيم، فكانت كلّ جماعةٍ تزعم أنها على حقّ، وأنّ غيرها على باطل، بل هو كافرٌ لا محالة، فجرى تفتيت الأمّة من الداخل، بسبب شيوع الانتماء الفرقيّ المغلق، وانتشار ثقافة التكفير ومنطق الإقصاء، وادعاء امتلاك الحقيقة ما أسهم في ظهور حروب الاقتتال المذهبي والتناحر الطائفي التي شدّت المجتمع إلى الخلف، وأسرت العقل المستنير في تاريخ العرب والمسلمين، فتعطّلت حركة التجديد وطاقة الاجتهاد، وانحسرت مجالات الثقافة العالمة على مدى قرون. والملاحظ من قراءة المأثور عن النبيّ محمد أنّ أحاديث كثيرة جاءت في النهي عن التنابز بالألقاب، وفي منع تسمية الآخر كافراً، لما في ذلك من إقصاء للغير وتهديد لكينونته، وحجر على حرّيته ووصاية على عقيدته. وفي هذا الشأن، يقول الرسول: "ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله". وفي السياق نفسه، ورد قوله: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما". وبناءً عليه، التكفير، في جانب ما هو من أشكال القذف التي قد تُفضي إلى القتْل، وهو فعلٌ خطير يؤدّي إلى تسمية الفرد باسم يُخرجه عن الملّة، ويجعله موضع تهمة ومدار نقمة. بل إنّ بعضهم قد يركب التكفير مطيّة لاستباحة عِرض الآخر، وإهدار دمه. وهو ما يتعارض مع النصّ الإسلاميّ، قرآناً وسنّة، في دعوته إلى حفظ النفس البشرية، وضمان السلم الاجتماعيّ، وإقرار التعايش بين الناس على اختلافهم، تحقيقاً للصالح العامّ، وتطبيقاً لمطلب استخلاف الإنسان في الأرض.

ومن المفارقات أنّ بعضهم يغتنم عصر التنافذ الرقمي وأجواء الحرّية ومناخ الديمقراطية في هذا البلد أو ذاك، ليروّج أحكاماً ارتجالية إقصائية، تهدف إلى إلغاء الآخر، وتقويض التعددية ومنع التأويل وتسييج الاجتهاد. وغدا رائجاً أن ينصّب بعضهم نفسه وصيّاً على الدين، وحاكماً باسم الله، حتى أصبح كلّ طرفٍ يزعم أنه جهة علم، ويفتي فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، ويصدر الأسماء والأحكام بغير علم، فتنافس المتنافسون في نعت المخالف بالزنديق أو 

"جرى تحريض الناس بعضهم على بعض تحت طائلة الإيمان والكفر" الطاغوت أو عدوّ الله. وجرى تحريض الناس بعضهم على بعض تحت طائلة الإيمان والكفر، والحال أنّ المسألة شأنٌ فرديّ، والفصل النهائي فيها موكل إلى الله من وجهة نظر إسلامية، ولا سبيل للآخرين على الناس في هذا المجال، لأنّ الدين قد جاء "رحمة للعالمين"، وجاء داعياً إلى التآخي والتآلف في كنف الاختلاف. ومعلوم أنّ "كلّ نفس بما كسبت رهينة". والثابت أنّ العلاقة بين المسلم وربّه في المنظور الإسلاميّ مباشرة، فلا وجود لكنيسة أو رجال دين يوزعون صكوك الغفران على الناس، ويملكون مفاتيح الجنة أو أبواب جهنّم في دين المسلمين.

والمرجّح أن التأسيس لثقافة التكفير نابع من عقولٍ لم تقرأ البعد التعددي للنصّ القرآني، باعتباره نصّاً مفتوحاً على التأويل وتجدّد القراءة، ولم تفهم البعد الحضاريّ للرسالة المحمدية. وهي عقولٌ أحادية تنزع الآيات والأحاديث من سياقاتها النصّية والتاريخية والثقافيّة، وتعزلها عن أسباب النزول ومناسباته، وعن مدونات التفسير المتعددة لتحمّلها محامل مذهبيّة بَعديّة ضيّقة. والحال أنّ الإسلام قد اتسع للجميع، واحتضن المسلم وغير المسلم، وشرّع للتعددية الدينية والحرّية العقدية في قوله ﴿ لكم دينكم ولي ديني﴾ وفي قوله ﴿لا إكراه في الدّين﴾. والمسلمون اليوم في أشدّ الحاجة إلى إحياء هذه الروح التعددية، وإعمال القوّة القيمية، الأخلاقية، الروحانية في الإسلام/ النص والإسلام/ التاريخ، وتربية الأجيال الصاعدة على مبادئ السماح، والتعارف، والتنسيب، والسلام، والتضامن. والمراد حفظ النفس البشرية، وتعزيز التواصل التفاعلي، التثاقفي، البنّاء بين الأنا والآخر، وتحقيق المصلحة العامّة لا محالة.

أنور الجمعاوي

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha