عندما تتجاوز "النهضة" خطّا أحمر

أقرّت حركة النهضة (التونسية) في اجتماع مجلس الشورى ترشيح نائب رئيسها، عبد الفتاح مورو، للانتخابات الرئاسية. وبذلك حسمت الجدل الذي ظل محتدما منذ أسابيع بين خياري دعم مرشح من خارجها يكون حوله توافق واسع أو اختيار شخصية من داخلها. صوّت المجلس بأغلبية ساحقة لفائدة مورو (محام ورئيس مجلس النواب بالنيابة): 98 مقابل ثلاثة. كان القرار مفاجئا بكل المقاييس، فلا أحد تفطن أن "العصفور النادر" الذي ظل الشيخ راشد الغنوشي يبحث عنه أكثر من شهرين، كما ورد في أحد تصريحاته، يجلس على غصن بجانبه يناجي حمامة "النهضة". 

عوامل عديدة تجعل هذا الخيار مفاجئا، وهي موزعة على ما هو داخلي خاص بحركة النهضة، وما هو خارجي في علاقة بالفرقاء السياسيين والعوامل الإقليمية والدولية. علاقة مورو بالحركة في بعدها التنظيمي ضعيفة، وهو واجهة إعلامية وسياسية فقط، فلم يكن له نفوذ داخلها، ولم يكن مؤثرا في قراراتها التاريخية، كما أن نشاطه ظل منذ تأسيس "النهضة"، في أوائل سبعينات القرن الفارط، دعويا أو وسيطا ينشط العلاقات العامة حين كانت تحتاجها الحركة من حين إلى آخر في أثناء الأزمات خصوصا. لم يكن يوما رجل تنظيم، بل ظل على تخومه البعيدة. ولذلك ظل بعيد الثورة على هامشها، وذلك ما دفعه إلى أن يتقدّم في انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011 في قائمة مستقلة، لم تمنحه فرصة الصعود آنذاك. 

يعود ذلك الاستبعاد إلى مواقف عديدة، أبداها الرجل تحديدا في أثناء اندلاع أزمة الحركة مع  

"خصال مورو عديدة، لعل أهمها أنه رجل حوار، وله قدرات فائقة على تجميع الفرقاء وتقبل النقد اللاذع" نظام الرئيس المخلوع بن علي خلال بداية تسعينات القرن الفارط، حيث عبر عن اختلافاته مع خيارات "النهضة" التي قدر آنذاك أنها لا تنسجم مع قناعاته. نشرت صحيفة يومية بعض مواقفه آنذاك، وقد تبرّأ فيها من أسلوب العنف والمواجهة الذي "اختارته الحركة" أو "دفعت إليه دفعا" كما تقول هي. يقال إن الرجل تصرّف عن قناعة تامة ودفاعا عن المنهج الذي ظل وفيا له. وقد عبر، في تصريحات عديدة لاحقا، أي بعد الثورة، عن ذلك. غير أن بعض مناوئيه يقولون إن ذلك الموقف كان تكتيكا تنظيميا ابتكرته "النهضة" للحفاظ على الحد الأدنى، وحتى يتفرّغ عبد الفتاح مورو، باعتباره محاميا، للدفاع عن مناضليها في أثناء المحاكمات التي لاحقت عشرات آلاف منهم. وبقطع النظر عن متانة هذه الفرضية وترجيحها، لم يغفر عديدون من قيادات "النهضة" له ذلك، واعتبرته تخليا عنهم في لحظة مصيرية فارقة. 

ظلت العلاقة باردة، ولم تفلح الثورة في ردم تلك الهوة. وأثار الرجل، في أكثر من مناسبة إعلامية، التهميش الذي عانى منه. ولكن بأسلوبه المرح ودعابته المشهورة. ومع ذلك، أسعفته "النهضة" في انتخابات 2014، حين رشحته على رئاسة قائمتها الانتخابية في تونس العاصمة. ومع ذلك ظلت علاقته بالتنظيم ضعيفة، ولا يحسب على أيٍّ من أجنحتها، مكتفيا بإدارة مجلس النواب، نيابة عن الرئيس. على الرغم من ذلك كله، ظل يثني على الشيخ راشد الغنوشي رفيق دربه، ولم يجرح فيه مطلقا، مفضلا عتاب الأحبة كما يردّد دوما هو "عتاب الحبيب كأكل الزبيب". 

المصادفات وحدها دفعت مجدّدا إلى الالتفات إلى الأستاذ عبد الفتاح مورو، واكتشافه "رئيسا ممكنا". وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، وتنامي النزاعات الداخلية المركبة أعادتاه إلى  

ثمّة رغبة داخل "النهضة" في الحد من سلطة  الغنوشي الواجهة. ثمّة رغبة داخل "النهضة" في الحد من سلطة الشيخ راشد الغنوشي الذي يلومه بعضهم، بصوتٍ عال، في الأيام الأخيرة، فوجدوا في مورو فرصةً لتمرين الحركة على تعدد واجهاتها، وهم بذلك ضربوا عصفورين بحجر واحد. ذلك أن إفراز مترشّح للرئاسة من داخل الحركة، وهو الخيار الذي استبعده الشيخ الغنوشي، كان استجابة لمزاج قاعدي يرفض أن يظل خزانا للغير، حين يتم استعمال أصوات أبناء "النهضة" في تحسين شروط التفاوض وإقامة التحالفات فحسب. وقد حقق تنازل الغنوشي لهذه القواعد الجامحة التي بدت صعبة الترويض هذه المرة مكاسب عديدة، لعل أهمها تأكيد الأخير أنه ينحني لإرادة تلك القواعد، خصوصا بعد ما أثير أخيرا من مؤاخذاتٍ ذات صلة بالديمقراطية الداخلية. 

بقطع النظر عن حظوظ الأستاذ عبد الفتاح مورو في الفوز بهذا السباق الانتخابي الشرس، للرجل خصال عديدة، لعل أهمها أنه رجل حوار، وله قدرات فائقة على تجميع الفرقاء وتقبل النقد اللاذع، فضلا عن شخصيته المرحة، وهو ما يؤهله ليكون رقما صعبا، فإن لترشحه دلالة عميقة، إذ بهذه الخطوة الجريئة تتخطّى حركة النهضة خطّا أحمر، كان مرسوما في خيالها، وهما وواقعا، يمنعها من ذلك. كان ثمة إحساس بفيتو ما، يحرمها من حقها الدستوري والأخلاقي. تخلت عن هذه الفوبيا التي شلتها. وبذلك تستعيد إرادتها كاملة، وتتحمل أيضا في الوقت نفسه مسؤوليتها في ذلك كاملة. تدحض "النهضة" باختيارها مورو مرشحا للرئاسة أطروحةً تفيد أنها قبلت بقواعد اللعبة التي تفيد بأن الغرب أقنعها بأنه لن يقبل رئيس دولة قادما من حزبٍ يحسب على الإسلام السياسي، وقد فهمت (قبلت) ذلك. سيكون ذلك محل اختبار دقيق في الأسابيع، وربما في الأشهر القليلة المقبلة. وفيما تُقدم حركة النهضة على هذه الخطوة، فإنها لن تكتفي بجني الثمار الرمزية فحسب، بل المؤكد أنها بنت سيناريوهات عديدة تتوسط ثنائية: الهزيمة المدوية والانتصار الساحق وما بينهما من عشرات الاحتمالات الأخرى الواردة.

المهدي مبروك

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha