تغريدات الخلاف الأميركي الفرنسي

"أنا أعرف أن إيمانويل يبحث عن القيام بأمر جيد، كما كل الآخرين، ولكن لا يحق لأي شخص أن يتحدث باسم الولايات المتحدة، عدا الولايات المتحدة نفسها". .. تغريدة خطّها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يوم 8 أغسطس/ آب الحالي بحق الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون. وقد عبر من خلالها عن غضبه من محاولات الرئاسة الفرنسية لعب دور الوسيط مع إيران بشتى الطرق، لمحاولة إيجاد مخرج سلمي للأزمة الأميركية/ الإيرانية المتجدّدة والمتفاقمة. أزمة وصلت إلى حدود الصدام العسكري، بعد أن أثارها ترامب لدفن جزءٍ من إرث سلفه باراك أوباما، بإلغائه الاتفاق النووي الذي وقعته الإدارة السابقة سنة 2015 إلى جانب الدول الأوروبية الرئيسية. 

وفي تعبير واضح عن درجة عالية من الغضب، أضاف الرئيس الأميركي، في تغريدته، إن "لدى إيران مشكلات مالية فظيعة. والايرانيون يسعون بلا أمل إلى الحديث مع الولايات المتحدة، ولكنهم يتلقون رسائل متناقضة من كل الذين يدّعون تمثيلنا نحن الأميركيين. وأحد مرسلي هذه الرسائل الغامضة هو الرئيس الفرنسي ماكرون". وبالفعل، فالرئيس ماكرون، وعلى رأس مجموعة أوروبية تسانده في قيادتها المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، سبق أن رفض القرار الأميركي الفريد بنقض اتفاق دولي وقعت عليه الولايات المتحدة علنا في احتفاليةٍ كانت خلالها ابتسامة وزير خارجيتها السابق، جون كيري، تتجاوز مجمل إخفاقاته الشخصية على المستويين، الدولي والمحلي، تأكيداً ربما على أن توقيع هذا الاتفاق كان الإنجاز الوحيد فعلياً طوال دورتي رئاسة أوباما بين عامي 2009 و2017 على المستوى الخارجي. وبالنسبة لفرنسا، كما ألمانيا ودول أوروبية كثيرة، نقض الاتفاق عمل غير مدروس، ويحمل انتقاماً شخصياً ويترجم عقدة نقص هيكلية لدى الرئيس الأميركي الحالي تجاه سلفه. 

ليس الموقف الأوروبي المتميّز عن موقف الحليف الأميركي نابعاً فقط من مسألةٍ مبدئية تتعلق بعدم نقض العهود، أو بسعي مثالي إلى تحقيق المصالحات الدولية، ونزع فتيل الانفجار  

"تحمل فرنسا بصلابة ملف مواجهة الصلف الأميركي سياسياً واقتصادياً، وهذا يُحسب لها" العالمي، فالقاصي والداني صارا على اطلاع على مئات المشاريع الاقتصادية المُدرّة للغاية، والتي كان الأوروبيون يتحضرون لالتقاط مفاتيحها بانفتاحهم على نظام طهران. ومن خلال الموقف الترامبي، والذي ترسّخ بفرض عقوبات اقتصادية خانقة على طهران، ومنع الحلفاء من أي تعاون استثماري معها، فقد خسر الأوروبيون، على الرغم من كل محاولاتهم الالتفافية، بلايين اليوروهات. 

والرئيس الفرنسي ينتهز كل الفرص للاتصال هاتفيا بالرئيس الإيراني، حسن روحاني، طالباً منه عدم التصعيد مع وعود بالتدخل لدى الجانب الأميركي وسيطا يميل إلى دعم الموقف الإيراني، على الرغم من تحالفه التاريخي مع الموقف الأميركي. ويقابله الإيرانيون بتعنّت ذي رمزية لافتة، مشترطين رفع العقوبات، قبل السعي إلى أي نوع من المفاوضات مع الجانب الأميركي. 

الى جانب الملف الإيراني الشائك والصعب، يواجه الفرنسيون، ووراءهم أوروبيون كثيرون، أميركا المُغرّد دونالد ترامب من خلال ملفات متعدّدة أخرى، من أهمها الملف الاقتصادي، خصوصاً بعد إقرار الضرائب الطبيعية فرنسياً التي على عمالقة الإنترنت (غوغل، فيسبوك، آبل، أمازون) دفعها، والتي لا يوجد أي مبرر منطقي لإعفائها. وفي مقابل القرار الفرنسي، سارع ترامب إلى التغريد لإدانة هذه الخطوة، وهدد فرنسا على ما سماها الخطوة الغبية. وبوقاحةٍ قل نظيرها في العلاقات الدبلوماسية بين الحلفاء (نظرياً على الأقل) بردود فعل تتناسب وحجم الخسائر التي يعتبر أنها فُرضت على الاقتصاد الأميركي. وقد ورد في تغريدته أن "فرنسا تفرض ضريبةً على مؤسساتنا التكنولوجية الأميركية الكبرى. وإن كان لأحدٍ أن يفرض مثل هذه الضرائب فهو بلد الأصل، أي الولايات المتحدة. سنعلن قريبا عن عملية تأخذ بمبدأ المعاملة بالمثل. كنت دائما أقول إن النبيذ الأميركي أفضل من الفرنسي، فقد كان إذا على الفرنسيين أن لا يفعلوا ذلك، وقلت لهم ذلك، وقلت لهم أيضا إنني سأفرض رسوماً على النبيذ الفرنسي إن فعلوا". وعلى الرغم من تفاقم الخلافات بين فرنسا وأميركا حول أمور أساسية، لم يمنع ذلك من حدوث لقاء هاتفي قبل ساعات بين رئيسي البلدين. 

تحمل فرنسا بصلابة ملف مواجهة الصلف الأميركي سياسياً واقتصادياً، وهذا يُحسب لها في 

"أثبتت السنوات الأخيرة التزاماً فرنسياً بالرغبات الأميركية" المطلق، ولكن المراقب الدقيق يلحظ تغيراتٍ سلبيةً في طريقة إدارة السياسة الخارجية الفرنسية، والتي تميّزت، عقودا طويلة، بمواقف مستقلة ومتميّزة عن واشنطن، خصوصاً في ملفاتٍ شائكة، كملف القضية الفلسطينية، فقد أثبتت السنوات الأخيرة التزاماً فرنسياً بالرغبات الأميركية، مهما أصابت هذه الأخيرة الضبابية والتقلبات، وخصوصاً في ملف الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي. 

يمكن السؤال اليوم عن إمكانية تأثير الخلافات الأخيرة، والتي تشير إلى خلل بنيوي في علاقات الحلفاء الغربيين، على دفع فرنسا أولاً، ومن ثم بقية دول الاتحاد الأوروبي، إلى تعزيز استقلالية قراراتها المرتبطة بإدارة السياسة الدولية؟ هل ستساعد تغريدات ترامب في انبثاق سياسة خارجية جديدة في أوروبا، تُحيلنا إلى الاستقلالية المتميّزة التي تبنّاها الجنرال شارل ديغول في القرن الماضي؟ هل سيشعر الأوروبيون بأنهم قادرون على تبنّي سياسات تحفظ لهم مصالحهم الاقتصادية الأساسية، بعيداً عن تغريدات النشاز؟

سلام الكواكبي

 
  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha