عن فوهة بركان في كسمايو الصومالية

عن فوهة بركان في كسمايو الصومالية

بعد شهرين من تفجير دموي في مدينة كسمايو في الصومال (500 كيلومتر جنوب مقديشو)، تجتاح نوبة سياسية ساخنة بين الأقطاب الصومالية نتيجة الصراع والهيمنة على هذه المنطقة، ذات البعد الاستراتيجي، فضلاً عن تدخل إقليمي، وخصوصاً من كينيا التي تسعى إلى فرض سيطرتها بشكل غير مباشر على هذه المدينة، منعاً لتمدّد حركة الشباب (الإسلامية) نحوها والمناطق القريبة منها، والتي تقع على بعد مئات الكيلومترات فقط في الحدود بين البلدين. فمع قرب موعد الاستحقاق الانتخابي، تتشابك الأصابع السياسية، من دون أن يلوح في الأفق حل يرضي الأطراف الصومالية، إذ تصرّ وزارة الداخلية الصومالية الفيدرالية على عدم قبولها نتيجة الانتخابات المقبلة، بالإضافة إلى أنها ناشدت الأطراف الصومالية في كسمايو تنظيم مؤتمر للمصالحة بين القبائل القاطنة في المدينة. وهذا ما يوحي بأن حكومة مقديشو لا تريد في الوضع الراهن إجراء انتخابات رئاسية، تمثل بالنسبة لها خروجاً من سباق الانتخابات مبكراً، وتريد الحكومة أن تنصّب مرشحاً لها لولاية جوبالاند، على الرغم من أن الرئيس المنتهية ولايته يسعى إلى العودة إلى قصر كسمايو مجدّداً، على الرغم مما يواجهه من تحديات محلية، وتحديداً من الحكومة الصومالية برئاسة محمد عبدالله فرماجو.

وقد أعلنت اللجنة الانتخابية المستقلة تأجيل موعد الانتخابات، وتمديد مهلة تسجيل المرشحين الجدد، بعد أن تدخل المبعوث الأممي لدى الصومال، جيمس سوان، لإقناع الإدارة المحلية بمنح فرصة ثانية للمرشحين، لإضفاء شرعية لتلك اللجنة غير المعترف بها من حكومة مقديشو، التي تريد فرض سيطرتها السياسية، وحضورها القوي على مختلف الولايات الفيدرالية، مدخلا  لضمان عودتها في مقديشو، بغض النظر عن تبعات السجالات السياسية والتهديدات التي تطلقها الأطراف الصومالية لإحراق كسمايو عن آخرها ثانية، وإعادتها إلى حمّامها الدموي سابقاً.

لا يخفى على القاصي والداني أن الرئيس المنتهية ولايته، أحمد مدوبي، تمكّن من فرض أمن واستقرار سياسي على كسمايو، بعد معركة طويلة سياسية مع الحكومة الصومالية، وعسكرية مع حركة الشباب، وأصبح يتصدّر المشهد السياسي في مدينة كسمايو (الساحلية)، على الرغم من رفض طيف واسع من المجتمع عودته إلى الحكم، ولكن كثيرين يرون أنه الخيار الوحيد لهذه المدينة التجارية، كما أنه خيار كينيا الأوحد لحماية حدودها ومدنها من ضربات حركة الشباب، وهو ما دفع نيروبي إلى إقناع أطراف أممية وإقليمية بتنصيب مدوبي مرة أخرى.

تكمن أهمية كسمايو كونها مركزاً تجارياً حيوياً بالنسبة للمناطق المجاورة لها، بفضل مينائها الذي يعد ثالث مرفأ من حيث الأهمية بعد مقديشو وبربرة، كما أنه يخدم المناطق التي تسكنها الغالبية الصومالية في الحدود بين كينيا والصومال. ولكن نتيجة التردّي الأمني في معظم أقاليم الجنوب، لا يوفر الميناء ثلث احتياجات الصوماليين في تلك المناطق، نتيجة سيطرة حركة الشباب على إقليمٍ بأكمله جنوب البلاد، هذا فضلاً عن حصارها على مدن أخرى تقع تحت سلطة القوات الأمنية الصومالية.

واضحٌ أن صراع الهيمنة على إقليم جوبالاند سيشتد في الأيام المقبلة، وأن مرحلة كسر العظام  مقبلة لا محال، وخصوصا بين الرئيس المنتهية ولايته أحمد مدوبي والحكومة الصومالية، وهو صراع تتجلى ملامحه بين من يريد العودة إليها (أحمد مدوبي) ومن يريد فرض هيمنته عليها لكسب أوراق عودته إلى الرئاسيات الصومالية عام 2020 (رئاسة مقديشو)، ما يجعل هذا الصراع السياسي بين أجنحة غير متكافئة، وبين من يرتمي في أحضان كينيا وآخر يحاول حشر إثيوبيا في هذا المنزلق الخطر، لكسب رهانه السياسي بالمال والسلاح، على الرغم من جهود الوساطة الأممية والأفريقية، لإجراء انتخابات رئاسية ذات مصداقية، بعيداً عن التناحر والمكائد.

تمثل انتخابات كسمايو مقدمة للانتخابات الرئاسية المقبلة في الصومال عام 2020، والتي ستأتي في ظل أوضاع سياسية قاتمة وتحدّيات كثيرة، إذ تواجه وزارة الداخلية الصومالية أسئلة كثيرين بشأن إمكانية أن تنظم انتخابات رئاسية في ظل عدم جدوى قراراتها في كل من جوبالاند وبونتلاند وجلمدغ، وهي ولايات فيدرالية، إن جنحت لصالح أقطاب سياسية معارضة للحكومة الصومالية ستقلب الطاولة حتماً على الرئاسة الحالية، وهذا احتمال قوي، نظراً لسياسة الحكومة الصومالية ونهجها في استعداء تلك الأطراف، وعدم قدرتها سابقاً على إيجاد صداقات  قوية مع رؤساء تلك الفيدراليات، وهذا ما سيجر لها الهزيمة مبكراً قبل الدخول في المعترك الانتخابي المقبل.

نقطة الخلافات السياسية المتكررة في المشهد السياسي الصومالي عموماً، هي إما أن ترضخ لي أو العداء السافر الذي ينتهي غالباً بانتصار أحد الطرفين على الآخر، سواء عبر قبة البرلمان أو من خلال أطراف أخرى، محلية وخارجية، وهو ما يفسر الاستعلائية الفجة في السياسة الصومالية منذ عقود، من دون العودة إلى الشروع والقوانين لبت الخلافات، إن وجدت أصلاً قوانين لحل النزاعات السياسية، على الرغم من دستور غير متكمل بعد، لا يمثل مرجعاً صومالياً لنبذ الفرقة والخلافات السياسية.

تبدو السياسة المكيافيلية هي الأقرب وصفاً لما يجري حالياً في كسمايو، فالأطراف المتصارعة تغض الظرف عن متاهات تلك الصراعات ومآلاتها على الوضع الميداني في هذه الفترة، وهو ما يبعث القلق في نفوس كثيرين من سكان المدينة الذين يتأهبون لأي تغير سياسي أو أمني، فالأسلحة ملقمة والسيوف خارج غمدها، وهو ما يؤشر إلى تصاعد التوترات الأمنية التي ستكون أكثر من مجرّد مناورات سياسية فقط، وانتخابات توصف كنوع من صراع "الديوك"، والتي ليست ملهاة شعب، بل هي مأزق سياسي وأمني.

الشافعي أبتدون

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha