نيويورك.. أسبوع مملّ آخر

نيويورك.. أسبوع مملّ آخر

الشكل صار يغلب المعنى في السياسة، أو بالأحرى هو يغلبها منذ فترة طويلة. لا اكتشاف للبارود في ذاك الكلام، بل تثبيت لما يشاهده العالم خلال الأسبوع الدبلوماسي الحالي الطويل في نيويورك خلال أعمال الدورة الـ74 للجمعية العامة للأمم المتحدة. أكثر من 150 رئيس دولة ورئيس حكومة ووزير خارجية يجتمعون في أكبر تظاهرة دبلوماسية في العالم، لا ليصنعوا سلاماً، ولا لينظّموا حروباً، ولا لإبرام تحالفات عابرة للحدود، ولا ليقسموا المعمورة إلى معسكرات على أساس أفكار وأيديولوجيات ومصالح، بل للتبجح بمدى قبح هذا العالم وللتفاخر بدرجة الانحدار الإنساني الذي بلغه. لا يعني ذلك أن ما كان قبل دونالد ترامب وجايير بولسونارو وفلاديمير بوتين وعلي خامنئي وعبد الفتاح السيسي وبشار الأسد وناريندرا مودي وبنيامين نتنياهو وبوريس جونسون وميشال عون وفكتور أوربان ورودوريغو دوتيرتي ورجب طيب أردوغان ومحمد بن سلمان (... واللائحة تطول)، كان تمام التمام، بل يؤكد أن عمر الأمم المتحدة ربما كان متتاليات من الترحم على عهود حكام وضعاء سابقين، فقط عندما تتم مقارنتهم مع خلفاء أكثر وضاعة بما لا يقارن في سدة السلطة. هل من عبثية أشد سوداوية من استحضار كوارث جورج بوش الابن لتبيان حقارة زمن دونالد ترامب؟ أو من استذكار حسني مبارك لدى تشبيهه بعبد الفتاح السيسي؟ حسناً، ربما تكون كوارث ذاك مصدراً أصلياً لشرّ هذا. 

الأمم المتحدة، في كل مسيرتها، كانت توفر "الهايد بارك" العالمي الأكبر ليستعرض الفاشيون والطغاة والشعبويون، بيمينييهم ويسارييهم، مهاراتهم في الاستخفاف بعقول البشر واحتقار قيم انسانية سامية. لكن هذا لا يعني ذمّاً لكل ما يتصل بالمنظومة التي وُلدت من رحم الحروب بهدف العمل الجماعي لمحاولة الحؤول دون تكرارها، فوجود المنظومة الأممية كان ولا يزال ضرورة ملحة للشعوب الأضعف، لا في السياسة بمعناها الضيّق حصراً، بل في كل أشكال المصائب المعولمة التي تنهك البشرية، تلك التي تمت خصخصتها لفائدة اختراع "المنظمات الدولية غير الحكومية" التي ولدت لتدفن الأحزاب السياسية، من قضم المناخ والفقر والأمية والمساواة الجندرية ودعم حياة مجموعات السكان الأصلية في مواجهة مواصلة إبادتها... أما الفساد الذي ينخر المنظومة ووكالاتها المتخصصة، وهو قديم بالمناسبة، فهو ليس إلا جزءاً من "طبيعة الأمور"، فلا الأمم المتحدة جمعية خيرية (والجمعيات أكثر ما ينخرها الفساد على كل حال)، ولا هي تركيبة مستقلة عن الدول، بل مشروع حكومي عالمي كان يطمح إلى العثور على رؤساء دول يقتنعون بجدول أعماله ويمولون مشاريعه ويخلقون توازن قوى أصبح غائباً اليوم بشكل مريع. 

الدورة الـ74 التي انطلقت فعالياتها الرسمية يوم الاثنين، ليست إلا دورة أخرى من حلقات تعميق أواصر رابطة الزعماء الفاشيين من دون أن يجدوا من يقف في وجههم هذه المرة. هذا هو الأكثر وضوحاً في الدورة الحالية: غياب الصوت الآخر الوازن في ليبراليته ولا شعبويته إلا في ما ندر مع رئيس هنا ومستشارة هناك. وبما أنه "كما تكونوا يولّ عليكم"، فإن الدورة الحالية تُلبس الأمم المتحدة قناعاً وُلدت المنظمة الدولية أساساً لإبعاد كأسه عنها، وجه التوحش والفاشية والاستهتار بقيمة الحياة البشرية والمساواة بين الشعوب... دورة إطلاق دونالد ترامب رسمياً حملته لإعادة انتخابه في 2020، ودورة تثبيت المسؤولين الإيرانيين إصرارهم على رفس حضارة شعب عظيم يحكمه نظام قروسطي، ودورة تجعلنا، مجدداً، نستمع لترّهات فلاديمير بوتين وشركاء حلفه ضد الشعب السوري، يردّدها ببغائياً وليد المعلم (تخيّلوا!). 

الأسبوع الدبلوماسي الطويل الذي انطلق قبل ثلاثة أيام في نيويورك، هو تكرار لقصاص حرفي يخضع له كل إعلامي وكل معنيّ في الشأن العام في كل خريف من كل عام، وربما لا يخفف من قسوته هذه السنة سوى تغيب بنيامين نتنياهو عن منبر لن يفتقد كلماته التي تنزف كذباً ودماً.

أرنست خوري

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع