عن ترامب وحروب أميركا التي لا تنتهي

عن ترامب وحروب أميركا التي لا تنتهي

ربما يعود سبب تناقض الإدارة الأميركية في ما يخص قرار سحب قواتها من سورية، ثم العودة عنه، إلى ما جرى البحث فيه مطولاً، وهو حقيقة غياب استراتيجية أميركية واضحة تجاه الحدث السوري ككل، منذ اندلاع الاحتجاجات سنة 2011. وكان الرئيس، دونالد ترامب، قد فاجأ الجميع حين تكلَّم عن انسحاب بلاده من "الحروب التي لا تنتهي"، الكلام الذي مهَّد لقرار سحب القوات الأميركية من سورية، والذي عاد عنه ترامب بعد أيام من إصداره، فهل عجزت واشنطن عن تحديد هدفها الاستراتيجي في سورية حتى تنسحب؟ أم إنها في طور العمل على تحديده، لكي تتخذ قرار العودة؟

وتميزت سياسة واشنطن تجاه سورية بعد سنة 2011 بالغموض، كما كانت مواقف أعضاء في الإدارة الأميركية أحياناً متناقضة. وساهم غياب استراتيجية أميركية واضحة تجاه سورية، في تعزيز هذا التناقض، وذلك الغموض. وسجَّل كثيرون على الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، تخبُّطاً في مواقفه تجاه مسألة استخدام السلاح الكيميائي في الحرب السورية، آخذين عليه مرّة تراجعه، ثم لافتين، مرّة أخرى، إلى إقدامه في هذا الملف، حين وضعَ استخدام الكيميائي ضمن الخطوط الحمراء التي تستوجب من إدارته الرد. ولم يكن وزير خارجيته، جون كيري، أحسن حالاً منه، إذ صرح، في 3 فبراير/ شباط 2015، على هامش اجتماعه مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في الدوحة: "إن سياسة الولايات المتحدة في ما يتعلق بسورية واضحة"، وهي التي لم تكن كذلك في تلك الفترة، بحسب محللين كثيرين. كما تحدَّث كيري يومها عن فقدان النظام السوري الشرعية، متناسياً أنه صرَّح، قبل ذلك بأشهر، إن بلاده "ستضطر للتفاوض مع الأسد في نهاية المطاف". 

في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أعلن البيت الأبيض أن القوات الأميركية بدأت الانسحاب  من سورية، لأن تنظيم الدولة الإسلامية انهزم، فلا مبرّر لوجودها في هذه المنطقة. وهو انسحاب فاجأ الجميع، من حلفاء وأعداء، حتى داخل الإدارة ومجلس النواب الأميركيين، بسبب تداعياته غير المحسوبة في تلك الفترة، خصوصاً بالنسبة لحلفاء واشنطن من الأكراد في "قوات سوريا الديمقراطية"، والذين اعتبروا هذا الانسحاب خيانةً لهم، في ظل العملية العسكرية التركية التي استهدفت مناطق سيطرتهم. ولكن المثير في الأمر كان عودة ترامب عن هذا القرار، في 28 من الشهر عينه، وحديثه عن شكلٍ صحيحٍ لإدارة النفط السوري، عبر شركات أميركية، ما يتطلب عودة القوات إلى المناطق التي كانت فيها، وهو ما رصدته وكالات الأنباء التي تحدثت أيضا عن عودة أرتال طويلة لآليات ومدرعات أميركية، وعن تعزيزات عسكرية أميركية في المناطق التي كانت تتمركز فيها في دير الزور والرّقة والقامشلي، بالقرب من آبار النفط.

لا يبدو ترامب ملمّاً بالعقيدة العسكرية الجديدة لبلاده التي أُعدَّت لتصبغ القرن الجديد، الحادي والعشرين، بالصبغة الأميركية. العقيدة التي تقوم على مبدأ "حرب بلا حدود"، وتهدف إلى تحقيق النصر الحاسم في حروبٍ متعدّدة ومتزامنة في عدة مناطق. وحلَّ هذا المبدأ محل عقيدة "الحرب الطويلة" التي تبنتها أميركا بعد الحرب العالمية الثانية، وكان الهدف منها استهداف الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية. أما ما تحدّث عنه ترامب، حين تكلم عن الانسحاب من الحروب التي لا تنتهي في الشرق الأوسط، فهو مبدأ "الحرب الخاطفة"، والذي تخلت عنه واشنطن قبل الحرب العالمية الثانية. لا بد أن صنّاع القرار في البيت الأبيض عملوا على تصويب وجهة نظر ترامب، وربما على إعلامه باستراتيجية بلاده العسكرية التي بدا أنه يجهلها، والتي تستند على أحاديتها القطبية، وعلى مبدأ الحروب بالوكالة، وضربات جس النبض والمناوشات التي تخرج عنها جميعها رؤية واحدة للعالم ككل، ولكل سنتيمتر منه على حدة. 

ربما اصطدمت العقيدة العسكرية الأميركية ببزوغ الروس طرفاً قوياً، فاعلاً ومؤثراً في الحدث السوري، وهو بروز وفَّر للروس دوراً إقليمياً يتعدّى سورية إلى دول أخرى خارج الإقليم. وساهمت العروض العسكرية الروسية على الأرض السورية، وفي سمائها، في تعزيز هذا الدور مكرِّسة صورة الروسي العائد إلى الساحة الدولية بقوة، ومن دون اكتراثٍ للاستراتيجيات الأميركية الموضوعة للمنطقة. هنا كان لا بد من شكل ما لوجودٍ أميركي، يسعى إلى كبح التمدّد الروسي، ويحرم الروس من أهم دافع لهم للدخول في الحرب السورية، وهو النفط والغاز السوريان. 

ولكن قرار انسحاب ترامب من سورية جاء بمثابة الهدية المجانية التي استعد الروس لتلقُّفها،  وخصوصاً بعد الغزو العسكري التركي للأراضي السورية، بهدف القضاء على قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وإقامة المنطقة الآمنة التركية داخل هذه الأراضي. وكان التدخل التركي والانسحاب الأميركي كفيليْن بإعادة سيطرة قوات النظام المدعومة من الروس على الأراضي التي كانت تحتلها "قسد" شرق الفرات، أي على منابع النفط والغاز. ولكن ذلك سرعان ما انهار مع عودة القوات الأميركية وتمركزها حول آبار النفط "لحراستها من تنظيم داعش"، كما صرح ترامب.

ربما من هذا المنطلق جاء التدخل الأميركي المبكر في سورية؛ إذ كان بمثابة محاولة لقراءة موقف الروس من استحواذ أميركا على مغانم يعتبرون أنها ستؤول لهم بحكم فاعليتهم على الأرض، وبحكم ما قدموه للحكومة السورية من خدمات عسكرية يستحقون عليها المكافآت. كما كان بمثابة جسّ لنبض الروس، ومعرفة مدى عدوانيتهم تجاه أميركا، وبالتالي معرفة حقيقة القوة الروسية الطارئة. وبعد أن تعزز هذا الوجود الأميركي، تكرَّس ليصبح حجر عثرة في وجه التمدد الروسي في المنطقة، ولمنع الروس من الاستئثار بمقدرات دولة ما لوحدهم. لذلك أعاد صناع القرار في البيت الأبيض القوات الأميركية إلى القواعد التي كانت تحتلها في سورية بعد أن سحبها ترامب، بل أعادوها وفي جعبتها مشاريع للسيطرة على النفط السوري، من دون معارضةٍ روسية، أو أي تفويض دولي أو موافقة أي طرف سوري. 

إن كان ترامب ينظر إلى الحروب العبثية التي تتورّط فيها بلاده من مبدأ الربح والخسارة، فهو لا يعلم أن بيئة عدم الاستقرار الدولي ودوام اشتعال مناطق النزاع وازدياد التوتر والفوضى، هي البيئة الصالحة التي تنتعش فيها السياسة الأميركية، فالاستقرار يصيب صناعة السلاح بالركود، ويفرز أميركيين عاطلين عن العمل، ويقلّل من فرص فرض السيادة الأميركية على الدول المهزومة في النزاعات، وعلى الدول المنتصرة، على السواء.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع