عن خطر على الكرد وكردستان العراق

عن خطر على الكرد وكردستان العراق

لا يمكن لرقعة جغرافية، كإقليم كردستان العراق، أن تكون بعيدة عن ارتدادات المشهد السياسي الإقليمي والمحلي. بل تكاد إربيل وباقي مناطق الإقليم تكون أكثر المناطق مُهدّدة بالخطر، فهي المنطقة الأكثر امتلاكاً لما تخسره، وبل خسارة مُخرجات قرنٍ من النضال والكّفاح، عدا عن الآمال التي يعقدها الكرد القوميون عليها

تُحيطُ جغرافية سياسية سيئة جداً بالإقليم، ما يؤثر على بقائه ما بين العودة إلى الخط الأزرق إبّان منطقة حظر الطيران التي حظي بها في مطلع تسعينيات القرن الماضي، أو الحفاظ على وضعه الراهن، من دون الاقتراب من المناطق المشمولة بالمادة 140 من الدستور العراقي، أو أن توسّعاً شاقولياً وطولياً سيحظى به الإقليم عبر توسيع رقعته الجغرافية، والحصول على مزيد من منابع النفط والطاقة، وهذه تخضع لسيناريوهات مُعّقدة وشديدة التداخل.

أولاً: الوضع الداخلي في العراق يتجه صوب مزيد من التصعيد وارتفاع منسوب خطاب الكراهية شعبياً ضد الطبقة الحاكمة والنُخب السياسية، وتوجه المنطقة السنّية في العراق صوب رفض أيّ أشكالٍ للقبول بعودة أنظمة حكم مماثلة أو مشابهة لحكم نوري المالكي أو حيدر العبادي، عدا عن رفضهم المطلق لهما، أو ما يمتُّ بصلة لكُتلهم السياسية، فإن العراق أمام ثلاثة مخاطر متشابكة: الانزلاق صوب الحرب الأهلية، محاولة إعادة كتابة الدستور العراقي والهدف منها تقليص أكبر قدّر ممكن من صلاحيات الإقليم، في حال لم ينجحوا في إلغاء صفة الاتحادية عن الدولة العراقية، إجراء انتخابات مُبكرة في العراق، والتدخل الإيراني بكل ثقله على أقل تقدير لتقليص عدد مقاعد الكرد في البرلمان والوزارات العراقية.

ثانياً: في تركيا والتي تُعاني من وضع اقتصادي صعب، وبعد هزيمته في انتخابات بلديتي اسطنبول وأنقرة، لم يحقق حزب العدالة والتنمية الاستفادة السياسية من عملية غصن الزيتون في عفرين، وبل لم يستفد من محاولة تحريك ملف زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل، عبد الله أوجلان. يُقابل ذلك كله إصرار المعارضة التركية على إجراء انتخابات مُبكرة، وهذه إن حصلت من المرجح أن يُمنى فيها "العدالة والتنمية" بهزيمة قاسية، أو على أقل تقدير رُبما تُفقده مزيدا من أوراق القوة لديه. ما يعني أن تُركيا قدّ تتجه صوب استحداث حرب جديدة، ولن تجد أفضل من ملف وجود "العمال الكردستاني" في شنكال وفي شمال سورية وشرقها، للاعتماد عليها.

وثالثاً: في ما تبقى من جغرافية المنطقة من الدرباسية إلى ديرك/ المالكية. وبقاء عين العرب (كوباني) شبه منعزلة عن وسطها، والخطر المُداهم لعين عيسى، مقر حكومة الاتحاد الديمقراطي لشمال سورية وشرقها، انحصرت المُحددات في ثلاث نقاط: لا أمكانية للتضحية بالحليف التركي، روسياً وأميركياً، لأجل حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، وهذا ما اتضح في المعارك الثلاث، درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام، كما كانت تُركيا تُسمي عملياتها العسكرية. لا اعتراف سياسيا مرفقا بالشراكة العسكرية بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف الدولي في محاربة الإرهاب. لا مجال للتغلب عسكرياً على تُركيا، خصوصا مع أفضلية سلاح الطيران وامتلاكها أوراقا كثيرة، تُمكنها من عقد صفقات واتفاقات سياسية وعسكرية مع جميع الدول الفاعلة في الملف السوري، وعلى اختلاف مصالحها وتضاربها.

وبذلك، لا أمل في مواجهة عسكرية مع دولةٍ يحميها الجميع، ولا ضمانات لحقوق سياسية في زيارة قائد قوات سورية الديمقراطية، مظلوم عبدي، دمشق، بل إنها تعني عودة مؤسسات الدولة السورية نهائيا إلى شمال شرق سورية، كما أن الرهان على تغيير في مزاج الرئيس الأميركي، ترامب، وعقد الأمل على زيارة عبدي إلى أميركا من دون ضمانات مسبقة، رُبما تكون رصاصة الرحمة الأخيرة على المنطقة، خصوصا أن الطرفين، دمشق وواشنطن، ليستا بالسذاجة، كي يتم التفاضل بينهما واختيار الزيارتين.

رابعاً: الوضع في إيران مختلف قليلاً، ديمومة الاحتجاجات الإيرانية قبل تحقيق شرطين كرديين سيأتي وبالاً على إقليم كردستان العراق: قضية حزب بيجاك، والذي ستتخذه تركيا ذريعة قوية 

"تزداد المخاوف من تقارب دمشق وأنقرة، مع تعميق رغبة روسيا في تشكيل حلف ثلاثي جديد" للتدخل في المناطق الجبلية المتداخلة فيما بين مناطق توزع سيطرة بيجاك وإقليم كوردستان. وموقف "بيجاك" نفسه من موقف الأحزاب الكردية في إيران، والذين اتخذوا حالياً من العمل السياسي والدبلوماسي الدولي منهجاً ثابتاً في مواجهة النظام الإيراني. فإن اتخاذ الحزب المذكور موقفاً غير موالٍ لا للنظام الإيراني، ولا للمتظاهرين الكرد، قدّ يشي بإعادة نوعٍ من المشروع السياسي لحزب الإتحاد الديمقراطي في سورية، وتطبيقه على الكرد في إيران، متمثلاً في الأمة الديمقراطية.

في الوضع السياسي والميداني للحالات الأربع، فإن أيَّ حرب أو معارك ستمد بنارها إلى داخل إقليم كردستان العراق، بغية إنهاء التجربة الكردية، ووأد أيَّ حُلم للأجيال القادمة، وحتى مئات الأعوام المُقبلة. وأحد أبرز الحلول لحماية إقليم كردستان العراق هو ملف الطاقة والنفط في الإقليم، والموقع الجغرافي البّري لـ "المنطقة الكردية" في سورية. وبات من الأفضل للكرد البحث عن تقاطعاتٍ، سواء مع روسيا أو أميركا، أو تركيا، وفق شكلها النهائي، ويُعتبر ملف نقل النفط من كركوك وباقي مناطق كردستان إلى إحدى الموانئ الثلاث هو الفيصل النهائي في حماية الإقليم وفق ما يلي:

إما مدّ أنابيب النفط من كردستان عبر "المنطقة الكردية" في سورية إلى موانئ الساحل السوري والسيطرة الروسية عليها، وهو سيعني وضعا خاصا لهذه المنطقة في سورية، أو مد الأنابيب عبر "المنطقة الكردية" ودير الزور وأجزاء من المناطق السّنية في العراق باتجاه خليج العقبة والأردن والسيطرة الأميركية عليها، وهو ما يعني شكلا من العلاقة بين إقليم كردستان العراق ومناطق السنّة في سورية والعراق. ووفق اختيار أحد الطريقين، سيكون الخط الثالث مُهدّداً بالزوال، أو الاستمرار عليه، وهو نقل النفط من كردستان العراق إلى تُركيا، حيث ميناء جيهان الذي يخضع لسيطرة تُركيا وحدها، وهي من تتحكم بنقله إلى الجهة التي تُريده.

تزداد المخاوف من تقارب دمشق وأنقرة، مع تعميق رغبة روسيا في تشكيل حلف ثلاثي جديد، روسيا وسورية وتُركيا، حينها سيجد "الاتحاد الديمقراطي" اتفاقية أضنه الموقعة بين أنقرة ودمشق في العام 1998 في انتظاره بشكلها الجديد. ولذلك أعتقد الأفضل للحزب التوجه صوب الإقليم، والدخول في تحالف واضح وبيّن وبترتيب دولي، ليس أقلها عدم منح تُركيا أيَّ مسوغاتٍ لأيّ هجوم عسكري على شنكال، قره جوخ، أو الشريط الحدودي المتبقي بيد "قوات سوريا الديمقراطية".

في المجمل، الأمن القومي الكردستاني مُعرّض للخطر الوجودي، ولعل حركة الطبقة الحاكمة والنُخب السياسية والثقافية تصبُ في مجملها في الفهم السياسي للمخاطر المُحدقة بهم، خصوصا أن الوضع العراقي يتجه صوب نفقٍ لا نهاية له، ولا لظلامه.

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع