تونس من الثورة إلى الانتقال الديموقراطي

تونس من الثورة إلى الانتقال الديموقراطي

حين تحدّث سارتر عن العلاقة بين الدولة والثورة، شبّهها، ببلاغة الستينيات، بعلاقة الزواج بالحب، أي تلك المسافة المضنية والمركّبة، والمخيبة أحيانا، بين الحب والزواج. ينطبق هذا، إلى حد ما، على الثورات التي تتحوّل تدريجيا، وضمن مسارات عديدة وطرق مختلفة، من الثورة إلى التحول الديموقراطي، من أحلام الثورة الواسعة إلى ضيق الدولة وعقلانيتها الباردة. 

ما من ثورةٍ تأبّدت إلا وتحولت إلى استبداد. الثورة حدث وفتحة على زمنٍ قادم، عليها أن تفضي، في النهاية، إلى طرقٍ ومسالك، وإلا تحولت إلى سجن كبير: كل الثورات التي حرصت على أن تتمدّد خارج زمانها وجغرافيتها تحولت إلى أنظمة شمولية وقمعية، تستفرد بتقديم سرديةٍ واحدةٍ وزعيم واحد ورؤية وحيدة: الثورات البلشفية والإيرانية والصينية، فضلا عن عشرات الثورات العربية المزعومة.

كيف تحولنا في تونس من الثورة إلى الانتقال الديموقراطي؟ أين نحن الآن بعد عقدٍ على اندلاع الثورة؟ تحديد الوجهة التي نقصدها، والمسافة التي قطعناها في تونس مهم، حتى نحدد المنطقة التي نقف عليها بعد هذه السنوات؟ يعزف محللون وخبراء ومحللون كثيرون عن استعمال مصطلح أو مفهوم الانتقال الديموقراطي، لأحد سببين:

لأنهم منحازون عاطفيا وفكريا للثورة، وكأن البقاء فيها يمنحهم شرعيةً أبدية للنقد الأبدي لما

"معضلات تنخر الديموقراطية التونسية، ما يجعل الانتقال الديموقراطي مرتبكا متعثرا، وأحيانا منفّرا"  يحدث حاليا. وهذا السكن في الثورة لا يمنح المرء مفاتيح تبيّن ما يحصل في الواقع، وقد يصل الأمر إلى نزعة إنكارية. أكيد أن ما حدث بعد الثورة مهم وكبير. ولكن قد لا تكون له صلة بالثورة. فك الارتباط بين الثورة وما يحدث، أو على الأقل تنسيب التلازم بين الثورة وكل هذه الفوضى مهم لفهم كل هذه الديناميات الحاصلة في تونس: تحوّلات الحقل السياسي، تغيرات المشهد الحزبي، العزوف الانتخابي، ظهور نخب سياسية جديدة واختفاء أخرى، تراجع الحركة الطلابية، صعود الحركات الاحتجاجية، فقدان جاذبية الإسلام السياسي،.. هذه مسائل معقدة ومركّبة، لا يستطيع الساكن في الثورة أن يقدّم لنا مفاتيح دقيقة لفهمه فهما عميقا ودقيقا. إما انحيازهم ذاك أو اعتقادهم أن هذا المصطلح/ المفهوم (الانتقال الديموقراطي) ملتبس، وهو حيلة سياسية وثقافية لتمييع المسارات السليمة التي علينا اتّباعها بعد الثورة، فللثورة استحقاقات، حسب هؤلاء، علينا أن نلبيها من خلال إطالة أمدها وتوسيع جغرافيتها، وهذا ما يعيدنا إلى التحفظ الأول.

يقدّم المنظّر الأميركي، سيمور ليبسيت (Seymour Martin Lipset) فرضيةً مهمةً، ظلت متحكّمة في دراسات التحول الديموقراطي، تزعم أن حظوظ الانتقال الديموقراطي تكون أرجح إن كانت قد مرّت بسيرورة تحديثٍ مجتمعيٍّ أشمل، نافسته نماذج أخرى خلال العشريّة الفارطة، بعد ازدياد تجارب التحول الديموقراطي واختلاف خصوصياتها، ولكن الانتقال عنده يظل بالخطوات الملتوية والمرتبكة والمتعثرة والمتدرّجة التي تقطعها المجتمعات بين نقطتين/ حالتين، من حالة الاستبداد إلى حالة الديموقراطية، من أجل الإيفاء بالمتطلبات التالية، كما حدّدها غيورغ سورسن (Sorensen):

منافسة حقيقية وواسعة بين الأفراد والجماعات المنظّمة (خصوصا الأحزاب السياسية) على جميع المناصب المؤثّرة في سلطة الحكومة، وذلك في فترات دورية منتظمة، وبعيدا عن استخدام القوة. مستوى مشاركة سياسية شامل للغاية في اختيار القادة والسياسات على الأقل، من خلال انتخابات منتظمة ونزيهة، بحيث لا تستبعد أي جماعة اجتماعية رئيسية. مستوى كاف من الحريات المدنية والسياسية: حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية تشكيل المنظمات والانضمام إليها يضمن نزاهة المنافسة والمشاركة السياسيتين... أما المؤشرات التي يمكن بها تقييم الخطوات التي قطعت، والمرحلة التي طويت، فهي حق الاقتراع العام والشامل، انتخابات حرّة ونزيهة، حرية التعبير، استقلالية الجمعيات.

ولا تشكل هذه الأهداف العامة والمؤشرات التي تعتمدها عدة منظمات من أجل تصنيف البلدان 

"الانتقال الديموقراطي ليس معزولا عن الانحرافات الخطيرة" وتقييم ديموقراطيتها وصفةً جاهزة لإدراك الديموقراطية/ الدمقرطة، أخذا في الاعتبار خصوصياتٍ محلية وسياقاتٍ دولية وإقليمية: التركيبة الاجتماعية: تعدّد إثني، قبلي، مجتمع مدني، تعدّد عرقي، طبيعة الأنظمة السابقة، الحالة الاقتصادية والاجتماعية (فقر، نمط التنمية،...)، لا توجد وصفة أو نموذج واحد لهذا الانتقال الديموقراطي.

واستنادا إلى أغلب أدبيات الانتقال الديموقراطي، فإن تونس تعبر هذا الانتقال، غير أنه استنادا إلى هذه الأدبيات ذاتها، فإن هذا الانتقال الديموقراطي ليس معزولا عن الانحرافات الخطيرة، وهي عموما تحوم حول الانتخابات، وتتحوّل أحيانا إلى ما يشبه التفويض، خلل العرض والطلب السياسي، الفساد الانتخابي وأشكال التحايل على الناخبين، افتقاد النزاهة. ويجعلنا هذا كله نخشى أن ينحرف هذا الانتقال الديموقراطي إلى أشكال مختلفة من إفساد الديموقراطية. ولا شك أن الديموقراطية التونسية عليلة، وعلة الانتقال الديموقراطي تكمن في أنه ينفض من حوله الناس تدريجيا، ليبدو أحيانا في عزلةٍ عن حضانة شعبية. لم تكن الثورة التونسية شعبية، ولم يكن انتقالها الديموقراطي شعبيا أيضا، واتساع دائرة العزوف السياسي. وتكمن العلة أيضا في استقطاب حاد بين النخب السياسية التي استفادت من الانتقال الديموقراطي، حتى نشأت بيروقراطية إدارية واسعة تتعيش منه من جهة، وبين جماهير واسعة ميالة إلى الاحتجاج (تصاعد حركات احتجاجية...)، وهذا هو المناخ المناسب لمخاطر كثيرة، إما انفلات الاحتجاج الاجتماعي وإفشاله الانتقال الديموقراطي، الانقلاب على الديموقراطية، ووضع حد للانتقال الديموقراطي ديموقراطيا أو عسكريا، أو تصاعد النزعات الشعبوية، كما بدت واضحة في الانتخابات الرئاسية والنيابية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وكذلك استقبال الحقل السياسي وافدين جددا غرباء على الحقل السياسي (إعلام، رياضة، مال)، وتنامي اللعب السياسي خارج الحقل السياسي.

هذه تقريبا أهم المعضلات التي تنخر الديموقراطية التونسية، ما يجعل الانتقال الديموقراطي مرتبكا متعثرا، وأحيانا منفّرا.. لا دواء من علل الديموقراطية سوى المزيد منها.

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع