كم عدد متابعيك؟

كم عدد متابعيك؟

إلى أي حدٍّ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تتحكّم فينا؟ في خياراتنا الحياتية المختلفة؟ في ما نأكله ونشربه ونلبسه ونشاهده ونسمعه ونتابعه؟ في دراستنا وعملنا ومشروعاتنا وكتاباتنا وأذواقنا؟ في الكتابة والقراءة والنشر أيضا؟

ذهبت كاتبة روائية شابة، وموهوبة فعلا، بعد أن انتهت من كتابة روايتها الأولى ومراجعتها، وقد أمضت في كتابتها سنتين، ابتعدت فيهما عن كل ما يشغلها عن القراءة والكتابة وحسب تقريبا، إلى دار نشر معروفة لتقدّم لهم روايتها على أمل النشر، فقابلت المسؤول عن النشر لديهم، بعد مراسلات طويلة معه، عبر الإيميل، وكانت المفاجأة الصادمة لها بانتظارها. رفض المسؤول نشر الرواية، وهذا متوقع بالنسبة لمحاولة أولى، لكن الصدمة كانت بسبب الرفض نفسه، كما أخبرتني وهي تكاد تنفجر من الغيظ الذي حولته إلى عتاب شخصي لي، خصوصا وأنني من اقترحت عليها تلك الدار ضمن مجموعة من الدور التي لاحظت أنها تهتم بروايات الشباب الذين ينشرون للمرة الأولى، ومن دون شروط أو تكاليف مالية، كما يحدث مع بعض دور النشر الأخرى.

لم يطلب منها مسؤول النشر قراءة الرواية أولا قبل الرد عليها، كما هو متوقع، للحكم على مستواها مثلا ولتقرير مدى صلاحيتها للنشر في الدار أم لا، ولم يسألها عما إذا كانت لديها أعمال منشورة أو غير منشورة سابقا، وحتى لم يسألها عن توصياتٍ لنقاد أو كتاب آخرين يمكن أن يكونوا قد اطلعوا على النص، وأعجبوا به كما يحدث دائما، بل كان السؤال الأول وتقريبا الوحيد؛ كم عدد المتابعين لك في منصتي تويتر وإنستغرام؟ دهشت الكاتبة من السؤال، ولم تعرف علاقته بقرار نشر روايتها أو عدمه في الدار، لكنها أجابته بأن حسابها في "إنستغرام" شخصي مغلق على عائلتها وصديقاتها فقط، فهي لا تنشر فيه سوى صور شخصية وعائلية لا تود مشاركتها مع آخرين لا تعرفهم. وأن حسابها في "تويتر" هو شبه مهمل، ولا يتابعها فيه سوى بضع مئات من المتابعين! فكانت هذه الإجابة كافية ليعتذر الناشر لها بأدب جمّ عن عدم استطاعته نشر روايتها في هذه الحالة.

سألته عن السبب، خصوصا أنه لم يقرأ الرواية، ولا حتى صفحة منها، فقال لها إنه ليس في حاجة لقراءتها، لأن مستواها لا يهمّه، ما دامت كاتبتها غير معروفة للقرّاء، وأن هذه هي روايتها الأولى، وما دامت لا تحظى بمتابعين كثيرين في منصات التواصل الاجتماعي، فهي غير معروفة، أو وفقا لتعبيره الدقيق "غير مشهورة"، ولن تستطيع مساعدة الدار في ترويج الرواية بين المتابعين على هذه المنصّات!

لا أدري إن كان سلوك هذا الناشر معتادا ومتعارفا عليه بين بقية دور النشر العربية حاليا أم لا، لكنه ببساطة يفسر ظواهر غريبة في عالم النشر، وخصوصا على صعيد الروايات في السنوات الأخيرة. لقد أصبحنا نقرأ ونسمع عن رواياتٍ تطبع بعشرات الطبعات خلال فترات وجيزة، وعند الاطلاع عليها نكتشف أنها خدعة كاملة! وأن العنصر الأساسي الأول، وربما الوحيد الذي ساهم في ترويجها بين القراء على ذلك النحو المثير، أن كتابها من فئة "المشاهير" في وسائل التواصل الاجتماعي، وأن هذه الشهرة وحسب هي جواز مرورهم إلى دور النشر التي لا تهتم بجودة ما تنشره بقدر اهتمامها بالوسائل الممكنة لترويج ما تنشره.

لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في ترويج القراءة وكتب كثيرة جيدة فعلا، ولكنها من جانب آخر ساهمت في إفساد عملية النشر لدى دور نشر كثيرة للأسف!

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع