بناء الشورى تأسيس في مواجهة البنية الاستبدادية

بناء الشورى تأسيس في مواجهة البنية الاستبدادية

في نطاق البحث السياسي الإسلامي، يمثل مفهوم الشورى مفهوما مركزيا في عملية التجديد، بالنظر إلى صلته الوثيقة بعملية صنع القرار في الجماعة التي هي محور النظام السياسي، وأهم مؤشرات رشده. والواقع أن هذا المفهوم يحمل إمكانات قابلة وهائلة للتطوير السياسي، خصوصا في ظل الخبرة التاريخية المعاصرة المرتبطة بالنموذج الديمقراطي. وقد أثبت القرطبي في تفسيره "أحكام القرآن"، فيما نقله عن ابن عطية "الشورى من قواعد الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، لا خلاف فيه". واستلهاماً من هذا كله، من المهم حين تناول قضية "الشورى" أن نتعرّف عليها معنى ومغزى، وكذلك باعتبارها قيمة وعملية، وكذلك بترجمتها إلى مؤسساتٍ ونظم وأبنية وقواعد وإجراءات

تنطلق نظرة الغزالي إلى ضرورة الشورى والحريات العامة، من أنها متنافية مع الاستبداد من دليل فطري في الطبيعة الإنسانية، من دون تفرقةٍ بين أجناسها وأديانها، فيقول: "إن الله تعالى نهى عن الظلم فيما أنزل من الوحي؛ فهل تظن الظلم مستحبّا في البلاد التي لم يبلغها ما أنزل الله؟ لا، إنها تستقبحه، وتكره وقوعه، وتحتاط من أذاه، فإذا اخترعت عدة أساليب لحماية نفسها منه، فلا علينا أن نتدبر هذه الأساليب، وأن نأخذ بها لحماية أنفسنا كذلك"، "إن النفس الإنسانية تطغيها سعة السلطة، ونفاذ الكلمة، كما تطغيها كثرة المال وبسطة الثروة، وقد عانت الأمم قديما وحديثا من إطلاق لأيدي الحكام مهما أوتوا من عبقرية.. فهذه الطبيعة الفطرية في الإنسان التي تسعى لحماية نفسها من الظلم والضيم، لا يضيرها في شيء أن تأخذ عن بعضها بعضا ما تضع من وسائل ومبادئ وآليات تحقق لها الحماية من طغيان قبيل على قبيل فيها، لغنى مالي أو امتداد نفوذ حكم وعلو كلمة، بل إن حماية المجموع الإنساني من المواهب الفطرية قد تُطغي صاحبها، تغدو مسألة ضرورية في الحكم، وليس أدلّ على هذا من الحركة النازية في تاريخ العالم المعاصر، وقبلها الطموح الإمبراطوري لدى نابليون بونابرت، وغيرهما في التاريخ كثير..".

لم يكتفِ الشيخ الغزالي بمحاربة الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي المفضيين إلى التخلف 

"نظرة الغزالي إلى ضرورة الشورى والحريات العامة أنها متنافية مع الاستبداد من دليل فطري في الطبيعة الإنسانية" الحضاري وحال الجمود السياسي، وإنما تحدّث عن الحرية والشورى، وحق الأمة في اختيار من يحكمها ويسوسها، وأنها هي مصدر السلطة، يقول: (الأمة مصدر السلطة، وحدها التي تختار حكامها، وهي التي إذا شاءت عزلتهم، وليس لأحدٍ حق إلهي، ولا وصاية عليا على الناس، تجعل وجوده السياسي ضربة لازب، أو تجعل انقياد الجماهير له فريضةً محكمة. إذا كانت لشيء ما مكانة دينية فهو الرأي العام الإسلامي، الذي إذا أحبّ كانت محبته آيةً على رضوان الله، وإذا كره كانت كراهيته آية على سخطه).

ويؤكد ساخرا من ضعف الإحساس الشوري والمسؤولية الحضارية تجاه الشورى، فكرة وقيمة، تتمسّك بحال الانفتاح الواجب، لتمكين الحالة الشورية وقدراتها في المجتمع السياسي "إن بركات الطاعة العمياء لا آخر لها!؛ وأولها أنها تصدُق في أصحابها قول القائل: لا يبلغ الأعداء من جاهلٍ ما يبلغ الجاهل من نفسِهِ، وحين كان الوعي السياسي يتطلع إلى مزيد من الحرّيات كان بعض الناس ضعاف الإحساس بمعنى الشورى، وحق قيام الأحزاب، فلم يشعروا بقيمة الدساتير الضابطة إلا بعد فوات الأوان. وأستطيع أن أقول: إن الحاجة تكون ماسّة إلى تربية أزكى وفقه أوسع وتخليص للدين من مسالك غبية كانت تقع؛ من أمراض نفسية تختفي وراء شعائره".

حال التحرّز والاحتياط التي قد تتملك العقل المسلم من جراء أفكار تنتمي إلى دائرة الحرية والشورى وصناعة القرار وسلطان الأمة هو الخوف المبلغ فيه على دائرة الشرع والشريعة؛ ومن ثم كان هذا التوجيه الغزالي، من الناحية المنهجية، لتحديد مجالات الشورى، والتي تتعلق بالشأن العام والمجال السياسي، ف "الشورى لا علاقة لها بالعقائد والعبادات، فهي لا تنشئ طاعة ولا تحلّ حرامًا، ولكنها تتصل بالشؤون المدنية، والموازنة العامة، وأحكام الحرب والسلام، وغيرها من تلك الشؤون الدنيوية والحضارية، وجميع الوسائل التي تتم بها الواجبات الدينية والأهداف الشرعية، فمن حق الأمة ألا تُفرض ضريبة إلا بإذنها، ولا يُنفق قرشٌ إلا بإشرافها ولا تُقر مصلحة إلا برضاها، ولا تعلن حربٌ إلا بموافقتها، فتلك حقوق بديهية، وترك ذلك لتقدير فردٍ يظن، في نفسه، العبقرية هو ضرب من الانتحار.

وكذلك في "أحُد" ينزل الرسول عند رأي الأكثر، فليس في السنة افتيات على حق الأكثر، ولا على الجماعة، ولا عبرة بالمذهب الذي اعتبر يوم الحديبية مستندا لعدم إلزامية الشورى، فهذا عماية عن مؤشرات الوحي..، لكن العقلية الضحلة تأبي إلا أن تبرّر للأغمار متجهة إلى الغموض تزويرا وكذبا على معلم البشرية، إنهم يُلبِسون خرافاتهم قدسية دينية مفتراة اتباعا للظنون والأهواء، والحق الذي لا لبس فيه هو أن الأمة صاحبة الحق فيما يتصل بمصلحتها، أما القول إن الشورى غير ملزمة، فلا نسود صفحات الكتاب بالحديث عنه ـ إن الشورى ورقابة الحاكم، والأمر بالمعروف بحرّية تامة؛ هذه هي ضمانات لحقوق الأمة، وهي صمام أمان المجتمعات من تغوّل الذئاب البشرية المستبدة".

إلزامية الشورى هي أهم ضمانةٍ في مواجهة الاستبداد والرأي الأوحد، وهي ضمانة لرشد القرار 

"إلزامية الشورى هي أهم ضمانةٍ في مواجهة الاستبداد والرأي الأوحد" صناعة واتخاذا من غير مداورة أو محاولة الالتفاف على فرضية الشورى ووجوبها وإلزاميتها "ليس لمخلوقٍ أن يفرض على أمة رأيه، وأن يصدر في أحكامه واتجاهاته عن فكرته الخاصة غير آبهٍ لمن وراءه من أولي الفهم وذوي البصيرة والحزم. ومهما أوتي رجلٌ من زيادة في مواهبه، وسعة في تجاربه، وسداد في نظره، فلا يجوز أن يتجهّم للآراء المقابلة، ولا أن يلجأ لغير المناقشة الحرّة والإقناع المجرد، في ترجيح حكم على حكم، وتغليب رأي على رأي. وقد ظهر في الغرب زعماء مستبدون، كانوا على جانب كبير من العبقرية والإقدام، وكانوا يحترقون إخلاصا لأوطانهم، وحمية لإعلاء شأنها، ولكن هذه الميزات العظيمة ذهبت سدى، وراحت بددا، ضحية الاعتداد الأخرق بالرأي، وفهم الزعيم أنه هدية القدر للشعب".

هذا الحسم الغزالي في الموقف والرؤية؛ لم ينبع إلا من مقارنته الدائمة والدائبة بين الحالتين، 

"الشورى أصلا جاءت لكي تقي الأمة مساوئ الرأي الواحد" الشورية والاستبدادية، ومآلات كل منهما والمحصلة المترتبة على كليهما في نهضة الأمم وتجدّدها السياسي، ومن ثم لا ينطلي على الشيخ البصير أن "الحكم الفردي عظيم المهارة في التحريف والتزييف والنجاة من التبعات..!؛ ومن ميزات الشورى أنها ترد الحاكم إلى حجمه الطبيعي، كلما حاول الانتفاخ والتطاول، والجماعات البشرية السوية، فيها رجال كثيرون يوصفون بأنهم قمم. أما البيئة المنكوبة بالاستبداد فدجاج كثير وديك واحد، إن ساغ التعبير! ومقابح الاستبداد بعيدة الآماد. ومع ذلك، فإن بعض المتدينين مصابٌ بالرمد المزمن، فهو لا يراها، وإذا تلا نصوص الشورى في دينه قال: ثم للحاكم أن يمضي على رأيه لا على الشورى!؛ إن التقادم لا يسقط الإثم ولا يغير قبح الجريمة، والتقاليد الرديئة لن يخفّف من رداءتها أنها ميراث العصور، وقد كان الاستبداد الفردي أخبث التركات التي آلت للاحقين من السابقين".

الشورى إذاً ركيزة الحكم الصالح والقرار السديد الراشد؛ فهي مبدأ إسلامي أصيل، وهي حكم المنطق والفطرة، وليس منّة أو منحة من الحاكم يهبها أو يمنحها متى شاء. لذا لا مجال للقول بغير إلزامية الشورى، ابتداء وانتهاء..، كما أن الشورى أصلا جاءت لكي تقي الأمة مساوئ الرأي الواحد، الذي لا يجوز الركون إليه في حال من الأحوال.. الشورى حقيقةٌ مجملة، أي غير مفصلة، فالتفصيلات متروكةٌ وفقا لظروف المجتمع. وكل ما أدّى إلى الشورى، وساعد في تحقيقها على أرض الواقع، يأخذ حكمها من حيث الوجوب، حتى ولو كان ذلك مما توصل إليه الآخرون، والمقصود بذلك الأجهزة والآليات والمؤسسات التي تيسّر الطريق لإعمال مبدأ الشورى".. ضمن هذه السياقات جميعا، كانت طريقته المنهجية في النظر إلى حقيقة العلاقة بين القيمة الشورية والفكرة الديموقراطية.

 

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع