"لأجل سما" أو الوجع السوري

"لأجل سما" أو الوجع السوري

مرّة أخرى، يأخذ الوجع السوري دور البطولة في فيلم وثائقي عن مشفى ميداني تحت الأرض في حلب، وعن الطبيب حمزة الخطيب، وعن ابنته سما التي وُلدت تحت القصف في ذاك المشفى الميداني. مرة أخرى، يرشّح الوجع السوري لجائزة أوسكار، يكرّمه العالم ويعطيه جوائز ذهبية، ويصبح الوجع السوري الطاعن في قهره وعجزه، من جديد، صياد الجوائز الماهر.

استطاع "لأجل سما" تقديم الصراخ الحقيقي عالياً حتى حدود السماء التي آن لها أن تتكسّر، وعد الأم الشابة الجميلة ذات العيون الواسعة، والتي صنعت فيلمها من القلوب المثقوبة في حلب، وعد التي رمتها الثورة في قلب مشفى ميداني، كي تساهم مع زوجها الطبيب حمزة الخطيب في إنقاذ ما تبقى من أرواح، وعد التي كان عليها أن تدفع من روحها عقابا لما اقترفته من جرم إنقاذ الحياة، وأن تصوّر كل هذا الحجم من العذاب غير الإنساني وتعيشه، وأن تهدي ابنتها الوليدة سما فيلمها هذا كي تسامحها فيما بعد، كما تقول.

أنتج الفيلم الوثائقي "بور سما"، أو "لأجل سما"، من خمسة آلاف مقطع فيديو حقيقي صوّرتها تلك الشابّة الحلبية التي حكمت عليها أحلامنا بأن تتحوّل إلى سفيرة للوجع السوري. قد تكرّم وعد على تحدّيها المذهل، وعلى جرأتها وعمق إيمانها بعدالة الأحلام التي ناضلت لأجلها. ولكن، من سيعيد إلى تلك الأم التي حملت جثة ابنها ذي الأعوام التسعة في الفيلم؟ الطفل الذي  

"لأجل سما" قدم الصراخ الحقيقي عالياً حتى حدود السماء التي آن لها أن تتكسّر وصل إلى المشفى الميداني بعد قصف روسي أحياء حلب، الطفل الذي لم تستطع أجهزة المشفى البدائية إنقاذه، وبكاه أخوه كما تبكي السماء. من سيعيده إلى أمه التي رفضت أن يحمل جثته من المشفى إلى قبره أحد غيرها؟

كان صوت وعد في الفيلم سورياً صرفاً، قادما من أعماق بئر المأساة السورية الذي سقط دلوه فيه، وانقطع الحبل الوحيد، صوتها وهي تعيد تفاصيل سنواتٍ قضتها بين الجرحى الطالعين من تحت الأنقاض، بكل ما يحمل هذا الصوت من حقيقة، ومن اصطكاك قلبها بقلوب الناس، وقلب بيتها الذي هجرته، ووردها التي ذبلت، بكل ما فيه من أنوثةٍ مكسورة، ومن كبرياء طافح بالوجع. استطاع صوتها هذا أن يصدم لجنة التحكيم، وأن يخترق روح كل من سمعها. أما عيون تلك الأم التي حملت جثة ابنها إلى قبره وصوتها فلن يغيبا عن ذاكرة أحد. وتلك المرأة الحلبية التي أجبرت على الاقتلاع من حلب، ونظرت، في نهاية الفيلم، نظرة مسننة الحوافّ، نظرة العجز الذليل الذي يصفع هذا العالم النذل على وجهه.

هي قصة وعد وزوجها الدكتور حمزة الخطيب اللذين رفضا الذهاب إلى أوروبا، وأصرّا على 

"صوت وعد في الفيلم سوري صرف قادم من أعماق بئر المأساة السورية الذي سقط دلوه فيه" العودة مع سما إلى حلب. وعاشا الحصار وسياسة الأرض المحروقة التي مارسها النظام في حلب. قالا إنهما يعرفان أن الفيلم لن يغيّر شيئا، وأن الجميع سوف يشاهدون، ثم يتأثرون، يبكون ساعة أو أكثر قليلا، ثم ينسون كل شيء، ويعودون إلى حيواتهم، يضمّون أولادهم بقوة أكثر ربما. وربما قد لا يغيرون القناة التلفزيونية التي تنقل الوجع السوري بعد الآن، لكنهما يريدان أن يوثقا ما يحاول كل العالم طمسه، يوثّقا نضال شعب ملحمي، وقتل شعب ملحمي، ويقولا لسما، ولكل الأطفال السوريين، إن هذا ما حصل، فهل ستسامحوننا؟

"لأجل سما"، الفيلم الوثائقي السوري الذي رشح لنيل جائزة أوسكار، صعق لجنة التحكيم والرأي العام في هوليوود، قال عنه أحد المحكّمين إنه جعلهم يسمعون صوتاً لم يتخيّلوا أنهم قد يسمعونه يوماً، بعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية، وانتهت معها سجون النازية ومعسكرات الاعتقال والمحارق البشرية. كأن اللجنة تعيش في كوكب آخر، كأنها لم تر الأخبار، لم تر أشلاء الأطفال تحت الأنقاض، لم تر أيا من مئات آلاف من الفيديوهات السورية التي تعرضها قنوات إعلامية منذ تسع سنوات، كأنهم من مجتمع لم يسمع قصص اللاجئين، ولم ير آثار التعذيب على أجسادهم وقلوبهم، لم ير نظاما يقصف مدناً بالبراميل، ولم يشاهد أقدم مدن العالم وقد صارت مدناً للخراب والموت.

تصف الصحافة العالمية الفيلم بأنه "صادم للغاية"، نقلا عن لجنة التحكيم. ولا أدري هل كأن الرأي العام العالمي بحاجةٍ إلى هذه "الصرخة المكبوتة" كي يسمع صوت بحّة الدموع في  

"أسمع الفيلم المحكمين صوتاً لم يتخيّلوا أنهم قد يسمعونه يوماً، بعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية" الحافلات الخضر التي نقلت الناس، بعد حصار وقصف وقتل، أكل قلوب أهل أقدم مدينة في التاريخ، صوت قطرات المطر التي تسقط مع سقوط قلوب الراحلين عن أرواحهم التي سكنت أحياء المدينة، وورودها وحدائقها، وحتى الهواء الذي يجول فيها.

حين عرّف صانع الأفلام، جون غريسون، الفيلم الوثائقي بأنه "العلاج الإبداعي للواقع"، أو أنه "إمكانية السينما من مراقبة الحياة وتصويرها، بحيث يمكن استغلالها في شكل جديد للفن". ولم يكن يعرف أن الوجع السوري سيصنع تعريفاتٍ جديدة للفيلم الوثائقي، تعريفاتٍ أكثر رعبا، حين تدخل الكاميرا إلى ما تحت الأرض، حين تدخل مشفى ميدانيا، أو سجنا واحدا فقط من آلاف السجون الممتدّة على رقعة الوطن الممزّقة، حين تدخل هناك، حيث الموت لم يزل يربّي صغاره جيدا، وحيث الحياة (الأم) تغتصب أمام قلوب أبنائها، وتضرب على مدار الساعة، على مدار القهر، وتموت الحياة تحت القصف، تحت الركام، تحت الحصار، تحت التعذيب، تحت العجز والخروج المذلّ من حلب.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

مواضيـــع متشـــابهة