خرافة القرن

خرافة القرن

 

خرافة القرن ليست ما سميت "صفقة القرن"، بل هي "إسرائيل". أما الصفقة إياها فليست خرافة، بل هي واقع يؤشر على ما هو أكثر من انحطاط عربي، فهي مسمار آخر في نعش إسرائيل، وإيذانٌ بنهاية الحلم الصهيوني. وهذا هو الجانب الآخر من الصفقة الذي يتحدّث به حكماء صهيون وكتابهم، صفقة القرن تكشف حقيقة خرافته. 

وأول هؤلاء الوزير الإسرائيليّ السابق ورئيس جهاز الأمن العّام الأسبق (الشاباك)، عامي أيالون، الذي رأى أنّ خطّة السلام الأميركيّة، أو "صفقة القرن"، ليست خطأً تكتيكيًا إضافيًا، بل خطأ استراتيجي سيجلِب حماماتٍ من الدماء والمآسي على الفلسطينيين والإسرائيليين، وسيؤدّي إلى إشعال المنطقة برمتها. أكثر من هذا، يؤكّد أيالون، في مقال نشره في "هآرتس" أنّ إسرائيل والفلسطينيين يقِفون اليوم في الظروف نفسها، وأمام الخطر المُحدق نفسه. ويرى أنه إذا لم تقُم إسرائيل بمُبادرة للانفصال عن الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة وفي قطاع غزّة، وترسيم الحدود النهائيّة للدولة العبريّة بشكلٍ يُحافِظ على هوية الصهاينة، فإنّ جيل الأبناء سيضطر لخوض حربٍ شرسةٍ وقذرةٍ، ستؤدّي إلى تقريب نهاية الحلم والرؤية الصهيونيتيْن. 

ثاني هؤلاء ناحوم برنياع، الكاتب السياسي في "يديعوت أحرونوت"، الذي سخر بمرارة من 

"الصفقة مسمار آخر في نعش إسرائيل، وإيذانٌ بنهاية الحلم الصهيوني. وهذا هو الجانب الآخر منها" المشهد قائلا: لثلاث سنوات، عمل جاريد كوشنر، صهر دونالد ترامب ومستشاره، على خطته. والنتيجة، إذا كان ممكنا الحديث بصدق، مخيبة للآمال بعض الشيء. فالكراس، 181 صفحة في لونين، يذكّر بنشرة دعائية لبرج شقق جديد في مانهاتن. كلمة "Great"، المحبّبة جدا على ترامب، تتكرّر المرة تلو الأخرى. ما ينقص في الجوهر تغطيه العناوين المتفائلة والرسومات النقية، فهل يشتري أحد ما شقة في برج كوشنر؟ ليس أحد يعيش هنا، بين النهر والبحر. 

حتى السياسي المخضرم، إيهود أولمرت، رأى أن الصفقة ليست أساسا للمفاوضات، ولا وصفة للمصالحة التاريخية، بل خطة ضم من طرف واحد لكل المستوطنات اليهودية. ومصيرها أن تجعل إسرائيل دولةً استغلاليةً واستعباديةً للناس، ستكون نتيجتها أن نبكي نحن وليس هم فقط. وقال في "معاريف": ذكرني العرض الذي جرى في البيت الأبيض هذا الأسبوع بحفل عيد المساخر (البوريم). وقال في مقالته التي عنونها "وهم القرن": دولة إسرائيل اليهودية، الديمقراطية، المتسامحة، المتصالحة والمحترمة لنفسها ولغيرها، ستكف عن الوجود. وهي ستصبح جيبا احتلاليا، استغلاليا واستعباديا لأناسٍ لا يريدون أن يكونوا جزءا منها. وفي نهاية المطاف، ستكف عن أن تكون أيضا دولة ديمقراطية تجاه مواطنيها أنفسهم. لأنه عندما يبدأ الانزلاق في منحدر التمييز والقمع، يكون صعبا جدا تقييد حدود الانزلاق، ونهايته الدمار الذاتي. 

وكتب تسفي برئيل في "هآرتس"، تحت عنوان: "رؤية ترامب: سيادة إسرائيلية تستند إلى التوراة وليس إلى اتفاقات دولية": في أفضل الحالات، الخطّة هي صك انتداب مصغر ينقل إلى إسرائيل والولايات المتحدة الإدارة المشتركة للمناطق المحتلة، واحتكار تحديد الموعد والشروط لإقامة دولة فلسطينية. في الواقع الحالي، هذا استمرار للاحتلال بشروط جديدة، مثل التي تبيض سرقة الأراضي الكبيرة التي تم تنفيذها خلال 53 سنة من الاحتلال. 

ربما يكون الاقتباس الأخير أهم ما في المشهد، فهو مؤشّر على إعادة الصراع إلى جذره الأول، بوصفه صراعا عقيديا، يستند صهيونيا وأميركيا (وفق رؤية الإنجيليين الأميركان) إلى التوراة، وعربيا وإسلاميا يستند إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكلا معتنقي العقيدتين لا يؤمنون بالتسويات المعتمدة على "أنصاف الحلول"، ما يعني أن كل ما يطرح من مبادرات وصفقات محض هرطقاتٍ، مهما تبعها من خطوات أحادية من الاحتلال، فالخسارات التي يبدو أن الفلسطينيين يتحملونها، على الرغم من فداحتها، لم تفتّ في عضدهم، ولا في قدرتهم على مواجهة المشروع الصهيوأميركي العنيد، فعمر مملكة إسرائيل الحالية لا يزيد على عمر معمّرة فلسطينية، 

"كل ما يطرح من مبادرات وصفقات محض هرطقاتٍ" أو حتى غطاء منهل للمجاري في مدينة يافا. وعلى الرغم من كل ما تتمتع به من جبروت وقوة، إلا أنها ليست أكثر من "مستعمرة"، أو مملكة من ممالك الصليبيين الذين سادوا ثم بادوا، ودخلوا إلى كتب التاريخ. ويعبّر عن هذا المعنى بعمق عامي أيالون، صاحب الاقتباس الأول في هذا السياق، حين يقول: على الرغم من أنّ إسرائيل هي إحدى الدول العظمى والمحمية جدًا وفق أيّ مقياس أوْ معيارٍ موضوعيٍّ، وهي دولةٌ عظمى من ناحية التكنولوجيا، والعلم والجيش، فإنّ سُكّانها يعيشون في حالةٍ من فقدان الأمن والأمان المُستمرّة، ذلك أنّ الرؤية الإسرائيليّة تتبلور ليس حسب القيمة الدفاعيّة التي يتمتّع فيها المُواطنون، بل بحسب قيمة فقدان الأمن ونقصانه التي يشعرون فيها دائمًا، ولعل كل هذا يجرّ إلى استذكار ما قاله نتنياهو قبل نحو سنتين، في جلسةٍ مغلقة في بيته، ونشرته الصحافة العبرية، ثم شطبته، في اجتماع مع بعض أنصاره: "إن مملكة الحشمونائيم نجت فقط 80 عاما، وأنه يعمل على ضمان أن "إسرائيل" سوف تنجح هذه المرة والوصول إلى 100 سنة". ووفق مؤرخي "إسرائيل"، فإن المملكة الحشمونية (هشمونائيم) كانت دولة يهودية عاشت 77 عاما، وكانت نهايتها مع غزو المنطقة من الإمبراطورية الرومانية. وحسب من حضر الجلسة، فإن ما قيل لفت انتباه الحضور، ونقلت صحيفة هآرتس، في حينه، عن مشارك في الندوة قوله: "قال نتنياهو إن وجودنا ليس بديهيا، وأنه سيبذل كل ما في وسعه للدفاع عن الدولة". وأضاف: "المملكة الحشمونية دامت 80 عاما وعلينا في دولة "إسرائيل" أن نتخطّى ونمر هذه الفترة". 

صفقة ترامب هي ليست فقط وصفة لتحويل السلطة الفلسطينية من دورها مقاولا فرعيا لأجهزة الأمن الإسرائيلية إلى "جارية أمنية لإسرائيل"، على حد تعبير الكاتبة الإسرائيلية عميرة هاس، بل هي كذلك وصفة لتأجيج الصراع، وزيادة احتمالات تفجيرها من الداخل قبل الخارج، فمن يرى احتفالات غلاة اليمين الصهيوني، وهم يعربدون، محتفلين بالضم وبسط السيادة على ما بقي من أرض فلسطين، يوقن أن هؤلاء سيكونون بجنونهم التوراتي صاعق تفجير لتلك "القلعة" المختبئة داخل الأسوار.

  Article "tagged" as:
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع